وحين يقول الحق سبحانه :
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ . .
( 29 ) [ القصص ]
وهو سبحانه يقول :
سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ . .
( 18 ) . [ سبأ ]
فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير إلى اللّه سبحانه ، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية ، ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضا :
لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند النحاة « 1 » وكيف يرفعونه ؛ لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة اللّه سبحانه ، فحين نقول : « نجح فلان » فهل هو الذي نجح ، أم أن الذي سمح له بالنجاح غيره ؟ إن الممتحن والمصحّح هما من سمحا له بالنجاح ؛ تقديرا لإجاباته التي تدل على بذل المجهود في الاستذكار .
وكذلك نقول : « مات فلان » ، فهل فلان فعل الموت بنفسه ؟ خصوصا ونحن نعرب « مات » كفعل ماض ، ونعرب كلمة ( فلان ) « فاعل » أو نقول :
إن الموت قد وقع عليه واتّصف به ؛ لأن تعريف الفاعل : هو الذي يفعل الفعل ، أو يتّصف به .
وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية ؛ قلنا : « سار الإنسان » .
وإذا أردنا أن نؤرّخ لسير الإنسان بالأسباب ، وترحّلنا به إلى الماضي ؛ لوجدنا أن الذي سيّره هو اللّه تعالى .
وكل أسباب الوجود إن نظرت إليها مباشرة ؛ وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها ؛ لكنك إذا تتبّعتها أسبابا ؛ وجدتّها تنتسب إلى اللّه سبحانه .
هامش
( 1 ) لأن تعريف الفاعل عند النحاة هو : كل اسم مرفوع سبقه فعل متعد أو لازم ، وهذا الاسم هو الذي فعل الفعل أو قام به أو اتصف به ، مثل : قرأ محمد الكتاب ، ونجح محمد ، وأثمرت الشجرة .