ولما جاء وقت ظهور محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، أسرعت الأوس والخزرج إلى الإيمان به ، وقالوا : إنه النبي الذي تهددنا به يهود ، فلنسبق إليه حتى لا يسبقونا .
هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى الإيمان .
إذن : فالله ينصر دينه بالفاجر « 1 » ، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين .
وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا « 2 » وظلوا يحللون سبب سقوط المطر بأسباب علمية محدودة بالمادة ، لا بالإيمان الذي فوق المادة .
ولذلك يقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ
« 3 »
فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ
( 21 ) [ يونس ]
هامش
( 1 ) وقد ورد بهذا حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعن أبي هريرة قال : شهدنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حنينا . فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام « هذا من أهل النار » فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة .
فقيل : يا رسول اللّه ، الرجل الذي قلت له آنفا « إنه من أهل النار » فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا . وقد مات فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إلى النار » فكاد بعض المسلمين أن يرتاب . فبينما هم على ذلك إذ قيل : إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال : « اللّه أكبر أشهد أنى عبد اللّه ورسوله » ثم أمر بلالا فنادى في الناس « إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وإن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » . حديث صحيح ، متفق عليه ، أخرجه البخاري في صحيحه ( 3062 ) ومسلم ( 111 ) .
( 2 ) أرجفوا : اضطربوا اضطرابا شديدا . ( اللسان مادة : رجف ) .
( 3 ) المكر : احتيال في خفية . قال تعالى :وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ( 50 ) [ النمل ] . قال أهل العلم بالتأويل : المكر من اللّه تعالى جزاء سمّى باسم مكر المجازى كما قال تعالى :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . .( 40 ) [ الشورى ] فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة ، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام ، وكذلك قوله تعالى :فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ . .( 194 ) [ البقرة ] فالأول ظلم والثاني ليس بظلم ، ولكنه سمّى باسم الذنب ليعلم أنه عقاب عليه وجزاء به . قال ابن الأثير : مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . [ اللسان : مادة ( مكر ) ] .