ونحن نعلم أن العبد الصالح - يونس عليه السّلام - قد تأثر وحزن وغضب من عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانية ، إلى أن رأوا غيما يملأ السماء وعواصف ، وألقى اللّه تعالى في خواطرهم أن هذه العواصف هي بداية عذاب اللّه لهم « 1 » ؛ فهرعوا إلى ذوى الرأي فيهم ، فأشاروا عليهم بأن هذه هي بوادر العذاب ، وقالوا لهم : عليكم بإرضاء يونس ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي أرسله ، فآمنوا به ليكشف عنكم الغمّة .
وهرع الناس إلى الإيمان بالحي الذي لا يموت ، الحىّ حين لا حىّ ، والقيوم والمحيى والمميت .
وذهب قوم يونس عليه السّلام لاسترضائه ؛ وحين رضى عنهم بدأوا ينظرون في المظالم التي ارتكبوها ، حتى إن الرجل منهم كان ينقض ويهدم جدار بيته ؛ لأن فيه حجرا قد اختلسه من جار له « 2 » .
وكشف اللّه سبحانه وتعالى عنهم العذاب ، وهنا يقول سبحانه :
. . كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
« 3 »
وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 98 ) [ يونس ]
ومن لوازم قصة يونس عليه السّلام ، ليست المغاضبة فقط ، بل قصته مع الحوت ، فقد كان عليه السّلام بعد مغاضبته لقومه قد ركب سفينة ،
هامش
( 1 ) وهذا يتوافق مع ما قاله الزجاج : « إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان » واختاره القرطبي في تفسيره ( 4 / 3312 ) .
( 2 ) نقله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3312 ) من قول ابن مسعود .
( 3 ) اختلف المفسرون ، هل كشف عنهم العذاب الأخروى مع الدنيوي ، أم كشف عنهم العذاب في الدنيا فقط ؟ على قولين :
* الأول : إنما كان ذلك في الحياة الدنيا ، على ظاهر الآية الكريمة .
* والثاني : كشف العذاب في الحياة الدنيا وفي الآخرة ؛ لقول اللّه تعالى :وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ( 148 ) [ الصافات ] فأطلق عليهم الإيمان ؛ والإيمان منقذ من العذاب الأخروى ، وهذا هو الظاهر ، واللّه أعلم . [ ذكره ابن كثير في تفسيره ( 2 / 433 ) ] .