غمّة « 1 » ، ثم اقضوا إلىّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفّذوه ولا تؤجلوه ، فهل هناك تحدّ للخصم أكثر من ذلك ؟
لقد كانوا خصوما معاندين ، ظل نوح - عليه السّلام - يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وصبر عليهم كل هذا الوقت ، ولا بد - إذن - من حدوث فاصل قوى ، ولهذا كان الترقّى في التحدي ، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء ، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه ، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم .
والنفسية العربية - على سبيل المثال - حين سامحت ، وصبرت ، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج اللّه ، بل بأمر يخص خلافا على الأرض ، تجد الشاعر العربي يقول عن « بنى ذهل » الذين أتعبوا قوم الشاعر كثيرا ، ولكن قومه صفحوا عنهم ؛ يقول الشاعر « 2 » :
صفحنا عن بنى ذهل * وقلنا : القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع * ن قوما كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّ * فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا * ن دنّاهم كما دانوا
مشينا مشية الليث * غدا والليث غضبان
هامش
( 1 ) غم الشئ يغمه - كنصر - غما : أخفاه وغطاه وستره وغمه الأمر : كربه وأحزنه ، قال تعالى :فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ( 88 ) [ الأنبياء ] والغمة : التباس الأمر وعدم وضوحه ، قال تعالى :ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً . .( 71 ) [ يونس ] وقال :وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ . .( 160 ) [ الأعراف ]
( 2 ) هو شهل بن شيبان ويلقب بالفند الزّمّانى ، توفى نحو 70 ق ه ، من بنى بكر بن وائل . شاعر جاهلي سمى الفند لعظم خلقته تشبيها بالقطعة من الجبل وهي الفند . ( الأعلام للزركلي 3 / 179 ) .