ويقلبها « 1 » ؛ ولذلك نجد العلماء قد وقفوا هنا وقفة ؛ فمنهم من قال :
هناك صدق ، وهناك كذب ، لكن علماء آخرين قالوا : لا ، إن هناك واسطة بين الصدق والكذب .
ومثال ذلك : أن يدخل ابن علي أبيه ، بعد أن سمع هذا الابن من الناس أن هناك حريقا في بيت فلان ، فيقول الابن لوالده : هناك حريق في بيت فلان ؛ فيذهب الأب ليعاين الأمر ، فإن وجد حريقا فقول الابن صدق ، وإن لم يكن هناك حريق فالخبر كاذب ، ولكن ناقل الخبر نقله حسبما سمع .
إذن : فهناك فرق بين صدق الخبر وصدق المخبر ، فمرة يصدق الخبر ويصدق المخبر ، ومرة يصدق الخبر ولا يصدق المخبر ، ومرة يصدق المخبر ولا يصدق الخبر .
فهنا أربعة مواقف ، والذين قالوا إن هناك واسطة بين الصدق والكذب هم من قالوا : إن الصدق يقتضى مطابقة بين الواقع والخبر . أما الكذب فهو ألا يطابق الواقع الخبر .
لذلك يجب أن نفرّق بين صدق الخبر في ذاته ، وصدق المخبر ؛ بأنه يقول ما يعتقد . أما صدق الخبر فهو أن يكون هو الواقع .
وقول الحق سبحانه :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي : فكيف تقلبون الحقائق ؛ لأنكم تعرفون الواقع وتكذبونه كذبا متعمدا ؟
وكلنا نعلم قول الحق سبحانه :
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى
« 2 » ( 53 ) [ النجم ]
هامش
( 1 ) المؤتفكة : البلدة التي ائتفكت بأهلها أي : انقلبت . والائتفاك : الانقلاب . [ اللسان : مادة ( أفك ) ] .
وقال ابن كثير :وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى( 53 ) [ النجم ] : يعنى مدائن قوم لوط قلبها اللّه - تعالى - عليهم ، فجعل عاليها سافلها . [ تفسير ابن كثير : 4 / 259 - بتصرف ] .
( 2 ) وهو الذي قصده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : « إياكم والكذب ، فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2607 ) والبخاري في صحيحه ( 6094 ) .