أي لا تقتلوا أولادكم خوفا من فقر ، فأنتم تملكون رزقكم ، وحين يأتي الأولاد نرزقهم ونرزقكم معهم . وهكذا نرى أن الصدر مختلف في الآيتين ، وكذلك العجز ، والشركاء كانوا يزينون قتل الأولاد ، وهذه مسألة تحتاج إلى تزيين قاس ؛ لأن حب الأبناء غريزة في النفس البشرية ، والنفس تحب أن يكون لها ذرية ؛ لأن الإنسان يفهم أنه مهما طال عمره فسوف يموت فيحب أن يظلل اسمه في الأجيال المتتابعة . ونجد الإنسان وهو ممتلئ بالسعادة حين يأتيه حفيد ، ويقول : لقد ضمنت ذكرى لجيلين قادمين ، وينسى أن الذكر الحقيقي هو الذي يقدمه الإنسان من عمل ، لا ذكرى الأبناء وحب امتداد الذات . وقتل الأبناء يحتاج إلى تزيين شديد ، كأن يقال : إن أنجبت أبناء فسيفقرونك ويذلونك ، فأنتم أمة غارات وأمة حروب وكل يوم يدخلك أبناؤك في قتال ونزال فتكون بين فقد لأبنائك أو انتهاب لمالك ، وإن كانوا بنات فسيتم سبيهن من بعدك ، وهكذا تكون المبالغة في الإغراء لعملية تناقض الفطرة السليمة في امتداد النسل .
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ . .
( 137 ) [ سورة الأنعام ]
و
« لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
تفيد أن بعضهم كان يرفض قتل الأولاد ، و « يردوهم » من الردى ، وهو الهلاك ، والموت .
وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ . .
( 137 ) [ سورة الأنعام ]
أي يخلطوا عليهم الدين ، فهل كان عندهم دين ؟ . لقد ورث هؤلاء من أمر قيم الدين ما كان سابقا وهو ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السّلام حتى مالوا وزالوا عنه إلى الشرك ، إنهم زينوا لهم أعمالا ليوردوهم موارد الهلكة . وحاولوا أن يخلطوا عليهم ما بقي لهم من دين .
. . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
( 137 ) [ سورة الأنعام ]
لأن وأد الأولاد وقتلهم إنما ينافي فكرة خلق اللّه ، فهل يخلق اللّه لتقتل أنت ؟ !