يأتي السمع ، ثم الأبصار ، ثم تأتى الأفئدة . ولذلك قال سبحانه :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
تشكرون له سبحانه أن أمدكم بوسائل العلم ليخرجكم من أميتكم .
وهناك لفتة إعجازية أخرى ؛ فحين تكلم الحق عن وسائل العلم ، تكلم عن السمع بالإفراد ، وعن الأبصار بالجمع . مع أن هذه آلة ، وهذه آلة ؛ فقال :
( السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ )
ولم يقل السمع والبصر ، ولم يقل الأسماع والأبصار ؛ لأن السمع هي الآلة التي تلتقط الأصوات ، وليس لها سد من طبيعتها ، أما العين فليست كذلك ، ففي طبيعة تكوينها حجاب لتغمض . وإذا أنت أصدرت صوتا من فمك يسمعه الكل ، وعلى هذا فمناط السمع واحد ، لكن في أي منظر من المناظر قد تكون لديك رغبة في أن تراه ، فتفتح عينيك ، وإن لم تكن بك رغبة للرؤية فأنت تغمضهما .
إذن فالأبصار تتعدد مرائيها ، أما السمع فواحد ولا اختيار لك في أن تسمع أو لا تسمع . أما البصر فلك اختيار في أن ترى أو لا ترى ، وهذه أمور رتبها لنا الحق في القرآن قبل أن ينشأ علم وظائف الأعضاء ، ورتبها سبحانه فأفرد في السمع ، وجمع في البصر مع أنهما في مهمة واحدة ، إلا آية واحدة جاءت في القرآن :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( من الآية 36 سورة الإسراء )
قال الحق ذلك لأن المسؤولية هنا هي الفردية الذاتية ، وكل واحد مسؤول عن سمعه وبصره وفؤاده ، وليس مسؤولا عن أسماع وأبصار وأفئدة الناس . ونرى مادة السمع قد تقدمت ، وبعدها جاءت مادة البصر إلا في آية واحدة أيضا ، تتحدث عن يوم القيامة :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا
( من الآية 12 سورة السجدة )
هنا قدّم الحق مادة الإبصار على مادة السمع ؛ لأن هول القيامة ساعة يأتي سنرى تغيرا في الكون قبل أن نسمع شيئا .