الشرف ؛ أطعموا فأطعمنا ، كسوا فكسونا ، ذبحوا فذبحنا . حتى صرنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه واللّه لا نرضى به ولا نتبعه أبدا الا أن يأتينا بوحي كما يأتيه ، ومعنى كفرسى رهان ، أي فحين تنطلق الخيل في السباق في وقت واحد كانوا يدقون عودا في الأرض عند نهاية السباق ومن يجذبه من الأرض يقال له : حاز قصب السبق ، وعود القصبة هو غاية المشوار ، حتى لا يقولن أحد لقد سبقني بخطوة أو غير ذلك .
وهنا يقول الحق :
( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ )
.
وانظر إلى كلمة
« جاءَتْهُمْ آيَةٌ »
، فمرة يقول : (
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ
) ، ومرة يقول :
« جاءَتْهُمْ آيَةٌ »
، فكأن الآية بلغت من وضوحها ومن استقلالها ومن ذاتيتها وخصوصيتها أنها تجىء .
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ . .
( 124 ) [ سورة الأنعام ]
ويقول اللّه لهم ردا عليهم : لا تقترحوا ذلك على اللّه ؛ لأن
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
؛ لأن الرسالة إنما تجىء لتنشر خيرا في الجميع ، ولكنها تعف نفسها عن آثار الانتفاع من ذلك الخير . والغير يريد أن يأتي له الخير ثم يترك بعضا من الخير للناس . والرسول قد جاء لينشر خيره للآخرين ، وهو نفسه لا ينال من هذا الخير إلا البلاغ به . ويأمر سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يموت ألا يأخذ أهله الزكاة ، أمّا ما تركه فقد صار صدقة للناس ، أي أنه لم ينتفع به في الدنيا ؛ لذلك هو مأمون على الرسالة ، ولم يرد أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من بعده . وقد أراده اللّه كذلك ليكون خيره لكل الناس . فالرسالة تكليف ، والنبوة ليس جزاؤها هنا ، بل من عظمة الجزاء أنه في الآخرة ، ولذلك حينما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيعة العقبة وقالوا : اشترط لنفسك . قال : تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتعملون كذا وتعملون كذا .
قالوا له : فما لنا ؟ أنت اشترطت لنفسك ، فما لنا إن نحن وفينا ؟ . ماذا قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ . قال : لكم الجنة . هذا هو الثمن الذي عنده ،