فهذا هو التجمع الذي قال اللّه عنه :
« جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً »
لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضى عليكم .
ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
( من الآية 160 سورة الأعراف )
و « استسقى » المراد منه هو طلب السقيا ، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع عن الإنسان العطش ، وما دام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ ، كأنهم في التيه . وأراد اللّه سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة ، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرّى .
والحق يقول :
إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ،
أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل اللّه السقيا . فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ ؟ وقال لهم موسى : ليس بذاتى أرويكم ، ولكن سأستسقى لكم ربى ، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري : الهواء والماء والطعام . وساعة ترى « همزة » وسينا « وتاء » واقعة على شئ من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه .
مثال ذلك : حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها ، أي طلبا طعاما وهذا هو المقوم الثالث للحياة . وهنا « استسقى » أي طلب المقوم الثاني وهو الماء ، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه . لذا لم يضعه اللّه في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق .
ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع ؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية . إنما الطعام يمكن أن يملك ، والماء يمكن أن يملك ، فقال سبحانه مرة « استطعم » ، وقال هنا « استسقى » ، ولم يوجد « استهوى » لطلب الهواء ، لكن وجد في القرآن « استهوى » بمعنى طلب أن تكون على هواه :
كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ
( من الآية 71 سورة الأنعام )