تبرزون في الآخرة وتعدون إعدادا آخر ، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ .
ولا يستوى الناس في ذلك ؛ لأن المؤمن هو من ينال شرف النظر إلى اللّه ، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق . يقول تعالى في شأن الكفار :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
فلا يستوى المؤمن والكافر في هذه الحالة ، فمادام الكافر محجوبا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربّه . وقال موسى :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ .
قال الحق :
قالَ لَنْ تَرانِي .
وفي اللغة نجد أن « لن » تأتى تأبيدية ، أي تؤبد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها . فهل معنى ذلك أن قول الحق :
لَنْ تَرانِي
أن موسى لن يرى اللّه في الدنيا ولا في الآخرة ؟ . ونقول : ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا ؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 48 ) ( سورة إبراهيم )
إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمرا آخر ، يكفى أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات ، إنه خلق جديد . إن مجىء « لن » في قوله الحق :
لَنْ تَرانِي
تأبيدها إضافى ، أي بالنسبة للدنيا ، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية ، وأضاف سبحانه :
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
( من الآية 143 سورة الأعراف )
وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح : لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل ، والجبل مفروض فيه الصلابة ، والقوة ، والثبات ، والتماسك ؛ فإن استقر مكانه ، يمكنك أن تراني . إن الجبل بحكم الواقع ، وبحكم العقل ، وبحكم المنطق أقوى من