بما أبلغنا به الحق ؛ لأن وجود الشئ أمر وإدراك وجوده أمر آخر ، وكل مخلوق له قانونه ، فالعفريت من الجن قال لسيدنا سليمان عن عرش بلقيس :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
( من الآية 39 سورة النمل )
وكأن الجن يطلب زمنا ما ، فقد يجلس سليمان في مقامه معهم ساعة أو ساعتين أو ثلاثا ، لكن الذي عنده علم من الكتاب يقول :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
( من الآية 40 سورة النمل )
ولا بد أن يكون طرفه قد ارتد في أقل من ثانية بعد أن قال ذلك ، ولهذا نجد القرآن يورد ما حدث على الفور فيقول :
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ .
مما يدل على أن اللّه قد خلق الأجناس ، وخلق لكل جنس قانونا ، وقد يكون هناك قانون أقوى من قانون آخر ، لكن صاحب القانون مخلوق لذلك لا يحتفظ به ؛ لأن خالق القانون يبطله ، ويسلط أدنى على من هو أعلى منه . ولندقق في التعبير القرآني :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ .
ونحن أمام أشياء هي العصى والحبال . وجمع من البشر ينظر . ونفهم من قوله الحق :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
أن السحر ينصبّ على الرائي له ، لكن المرئى يظل على حالته ، فالعصى هي هي ، والحبال هي هي ، والذي يتغير هو رؤية الرائي . ولذلك قال سبحانه في آية ثانية :
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
( من الآية 66 سورة طه )
إذن فالسحر لا يقلب الحقيقة ، بل تظل الحقيقة هي هي ويراها الساحر على طبيعتها . لكن الناس هي التي ترى الحقيقة مختلفة . إذن فالسحرة قد قاموا بعملهم وهو :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ .