وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق :
( عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .
إذن فمهمته أن ينذر ، والأنذار لقصد التقوى ، والتقوى غايتها الرحمة ، وبذلك نجد هنا مراحل : الإنذار وهو إخبار بما يسوؤك ولم يأت زمنه بعد وذلك لتستعد له ، وتكف لأنه سيتبعك ويضايقك . والبشارة ضد الإنذار ، لأنها تخبر بشئ سار زمنه لم يأت ، وفائدة ذلك أن يجند الإنسان كل قوته ليستقبل الخير القادم . وأن يبتعد عن الشئ المخيف .
وهكذا يكون التبشير والإنذار لتتقى الشرور وتأخذ الخير ، وبذلك يحيا الإنسان في التقوى التي تؤدى إلى الرحمة .
إذن فمواطن تعجبهم من أن يجيئهم رسول مردودة ؛ لأن مواطن التعجب هذه كان يجب أن يلح عليها فطريا ، وأن تنعطف النفس إليها لا أن يتعجب أحد لأنها جاءت ، فقد جاءت الرسالة موافقة للمقدمات ، وقد جاء الرسول ولم يأت ملكا ليكون قدوة .
وكذلك لم يرسله اللّه من أهل الجاه ومن الأعيان ومن صاحب الأتباع ؛ حتى لا يقال إن الرسالة قد انتشرت بقهر العزوة ، إن الأتباع كانوا موافقين على الباطل بتسلط الكبراء والسادة ، فمخافة أن يقال : إن كل تشريع من اللّه آزره المبطلون بأتباعهم جاءت الدعوة على أيدي الذين ليس لهم أتباع ولا هم من أصحاب الجاه والسلطان . ولقد تمنى أهل الشرك ذلك ويقول القرآن على لسانهم :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ سورة الزخرف ]
ولقد كان تمنيهم أن ينزل القرآن على رجل عظيم بمعاييرهم ، وهذه شهادة منهم بأن القرآن في ذاته منهج ومعجزة . ولم يتساءلوا : وهل القرآن يشرف بمحمد أو محمد هو الذي يشرف بالقرآن ؟ إن محمدا يشرف بالقرآن ؛ لذلك يقول الحق :
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . .
( 27 ) [ سورة هود ]