إنه قال سبحانه :
« ما وَعَدَ »
فقط ، ولم يقل ما وعدكم كما قال :
( ما وَعَدَنا )
لأن المراد أن يلفتهم إلى مطلق الوعد ، وليس الخاص بهم فقط ، بل وأيضا الخاص بالمقابل ، وهكذا يتحقق الوعد المطلق للّه . فأهل الجنة بإيمانهم وأعمالهم في الجنة فضلا من اللّه ، وأهل النار في النار بكفرهم وعصيانهم عقابا من اللّه .
وهنا يجيب أهل النار :
( قالُوا نَعَمْ ) .
وهذا إقرار منهم بالواقع المشهدي الذي عاشوه واقعا بعد أن كان وعيدا ، وهم لم يكابروا لأن المكابرة إنما تحدث بين الخصمين في غير مشهد ، وهم في الدنيا قبل أن يوجد المشهد كانوا يكذبون البلاغ عن اللّه ، وصارت الدار الآخرة واقعا ، وتحقق وجودهم في النار .
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
( من الآية 44 سورة الأعراف )
أي فينادى مناد من الملائكة يسمع أهل الجنّة وأهل النار بأن الطرد من رحمة اللّه على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم ؛ بعدم الإيمان وبالتكذيب باليوم الآخر .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 45 ]
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 )
والذي يصد عن سبيل اللّه هو من امتنع عن سبيل اللّه ، وصد غيره ، أي ضلّ في ذاته ثم أضل غيره ، وهؤلاء هم الذين يطلبون منهج اللّه معوجا ، ويذمونه ولا يؤمنون به فيعترضون على إقامة الحدود والقصاص ، وينفرون الناس عن منهج اللّه ؛ لينصرف الناس عن الدين . هم إذن قد صدوا عن سبيل اللّه وطلبوا العوج فيما شرع اللّه لينفروا الناس عمّا شرع اللّه ، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل هم بالآخرة كافرون ، ولو كان الواحد منهم مؤمنا بالآخرة ويعلم أن له مرجعا ومردا إلى اللّه لما فعل ذلك .