كأنه سيأتي بعرش بلقيس قبل أن ينته سليمان من ردّ طرفه الذي أرسله ليبصر به شيئا ، إن سليمان رأى العرش بين يديه ، ولذلك نجد عبارة القرآن معبرة :
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ
( من الآية 40 سورة النمل )
كأن المسألة لا تتحمل . بل تم تنفيذها فورا . إذن فالحق يوضح للمخلوقين من العناصر : إياكم أن تفهموا أن تميزكم بعناصركم ، إنني أقدر بطلاقة قدرتى أن أجعل الأدنى يتحكم في الأعلى ؛ لأنها إرادة من عنصر العناصر .
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
( 13 ) ( سورة الأعراف )
وكلمة
فَاهْبِطْ
تشير وتدل على أن الهبوط أمر معنوي ، أي أنك لست أهلا لهذه المنزلة ولا لتلك المكانة . هذا ما تدل عليه كلمة
فَاهْبِطْ ،
ثم جاء الأمر بعد ذلك بالخروج من المكان .
والصّغار هو الذل والهوان ؛ لأنه قابل الأمر باستكبار ، فلابد أن يجازى بالصّغار . وبذلك يكون قد عومل بضد مقصده ، والمعاملة بضد المقصد لون من التأديب والتهذيب والتعليم ؛ مثلما يقرر الشرع أن الذي يقتل قتيلا يحرم من ميراثه ، لأنه قد قتله ليجعل الإرث منه ، ولذلك شاء اللّه أن يحرمه من الميراث ؛ فبارتكابه القتل صار محجوبا عن الميراث .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 14 ]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 )
ومعنى
أَنْظِرْنِي
أمهلني أي لا تمتنى بسرعة ، ولا تجعل أجلى قريبا ، بدليل قوله سبحانه :