فذهب الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة ، وآذنت الشمس بالمغيب وهم في الطريق فانقسم صحابة رسول اللّه إلى قسمين : قسم قال : نصلى العصر قبل أن تغيب الشمس ، وقال قسم آخر : قال رسول اللّه لا نصلين العصر إلا في بني قريظة . فصلى قوم العصر قبل مغيب الشمس ، ولم يصل الآخرون حتى وصلوا إلى بني قريظة ، ورفعوا أمرهم إلى المشرع وهو رسول اللّه ، فأقرّ هذا ، وأقرّ هذا ، لأن النص محتمل .
لماذا ؟ . لأن كل حدث من الأحداث يتطلب ظرفا له زمان ومكان ؛ فالذين قالوا إن الشمس كادت تغرب ولا بد أن نصلى العصر قبل مغيبها نظروا إلى الزمان .
والذين قالوا لا نصلى إلّا في بني قريظة نظروا إلى المكان . وحينما رفع الأمر إلى المشرع الأعلم أقرّ هؤلاء وأقرّ هؤلاء .
إذن فالحكم إن كان فيه نص محكم فلا احتمال للخلاف فيه . وإن كان اللّه قد تركه موضعا للاجتهاد فيه فهو يأتي لنا بالنص غير المحكم . ومن ذهب إليه لا يصح أن نخطّئه ، ولذلك بقي لنا من أدب الأئمة الذين بقيت مذاهبهم إلى الآن بعضهم مع بعض . نجد الواحد منهم يقول : الذي ذهبت إليه صواب يحتمل الخطأ ، والذي ذهب إليه مقابلي خطأ يحتمل الصواب ، وجميل أدبهم هو الذي أبقى مذاهبهم إلى الآن ، وعدم أدب الآخرين جعل مذاهبهم تندثر وتختفى ولا تدرون بها ، والحمد للّه أنكم لا تدرون بها .
ثم يقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 154 ]
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 )
ونحن إذا سمعنا كلمة « ثم » نعلم أنها من حروف العطف ، وحروف العطف