ويذيل الحق الآية بقوله :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ .
وليس هذا التحريم تعديّا عليهم ، أو تعنتا في معاملتهم ، بل لأنهم بغوا ، والباغي يجب أن يأخذ حظه من الجزاء ؛ حتى يفكر ماذا يحقق له البغى من النفع ، وماذا يمنع عنه من النفع أيضا ، وحين يقارن بين الاثنين قد يعدل عن بغيه ، وهم قد صدّوا عن سبيل اللّه ، وأخذوا ربا لينمّوا أموالهم وأكلوا أموال الناس بالباطل ، لذلك حرّم عليهم الحق بعض الحلال . وسبحانه صادق في كل بلاغ عنه ، ونعرف بذلك أن علة التحريم لبعض الحلال كانت بسبب ظلمهم وما بدر منهم من المعاصي فكان التحريم عقوبة لهم .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 147 ]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 )
وكان مقتضى أنهم يكذبونك فيما أخبرت به عن اللّه ، أن يعجل اللّه لهم بالعذاب ؛ لكن الحق لم يعجل لهم بالعذاب لأنه ذو رحمة واسعة .
فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ
( من الآية 147 سورة الأنعام )
ولكن إياكم أن تطمعوا في الرحمة الدائمة ؛ إنها رحمة تأجيل فقط .
ولن يفوتكم عذابه ، وهنا يحننهم أيضا فيقول سبحانه :
« رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ »
وكأنه يقول لهم : راجعوا أنفسكم واستحوا من اللّه ولا يغرنّكم أنه ربّ ، خلق من عدم وأمدّ من عدم ، وتولّى التربية ، لكنه لن يرد ويمنع بأسه وعذابه عن القوم المجرمين منكم .
ويقول سبحانه من بعد ذلك :