وهو قرآن يتلى ويتعبد بتلاوته ويقرأ في المساجد ويسمعونه ، ولم يكن هناك فتح ، ولم يكن هناك أمر ، ويخبرهم اللّه بمصيرهم :
« فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ »
ومعنى ذلك أنه سبحانه كتب الذي في نفوسهم . مثلما قال من قبل :
« وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ »
. أي أنهم قالوا في أنفسهم وسمعهم الخالق . ولو لم يقولوا في أنفسهم لأعلنوا أنهم لم يقولوا ذلك ، لكنهم بهتوا حين كشفهم الحق وفضحهم وسجل ما في أنفسهم وأورد مضمون القول ، وكان من اللازم أن يعترفوا بمضمون القول ، وكان لا بد لهم أن يتجهوا إلى الإيمان . لكنهم لم يفعلوا فصاروا إلى الندم .
بنص الآية التي نزلت قبل أن يأتي فتح أو أمر من اللّه .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 53 ]
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 )
هنا يرى المؤمنون رأى العين ندم هؤلاء . والندم انكسار القلب في الحاضر على تصرف سابق مثلما يرتكب إنسان حماقة وتظهر آثارها من بعد ذلك ، فيقول : يا ليتني لم أكن قد فعلت ذلك . إنه انكسار نفس على تصرف سابق . وانكسار النفس يتضح على بشرة الوجه . وساعة يأتي الفتح تجد المنافقين وأهل الكتاب مكبوتين كبتا قسريا وهو الكبت الذي لا يجرؤ صاحبه عليه فيدعى أنه فرحان ، إنه قسرى بإلحاح بنية ، وظهور أثر ذلك على وجوههم .
وهنا يفطن المؤمنون إلى ذلك فيقولون : « أهؤلاء الذين أقسموا باللّه جهد أيمانهم إنهم لمعكم » . ولو كان هؤلاء المنافقون من الصادقين لفرحوا ولكانت أساريرهم متهللة ، ولظهرت عليهم الغبطة . لكنهم صاروا عكس ذلك ، صاروا نادمين مكبوتين .