وما دمت يا زكريا قد دعوت اللّه أن يهبك الذرّية وقفزت قضية رزق اللّه لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك . فقد جاء أمر اللّه :
كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ
( من الآية 9 سورة مريم )
إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات . فهي إرادة اللّه . ويوضح الحق حيثيّات
« إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
ويأتيك بالولد ؛ فيقول سبحانه :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
( من الآية 9 سورة مريم )
وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها ؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصرا شاهدا عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد ، وهو كفيل لها ، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر .
ولماذا كل هذا التمهيد ؟ ؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السنن إنما حدث في أمور أخرى غير العرض ، لكن عند مريم سيكون ذلك في العرض وهو أقدس شئ بالنسبة للمرأة ، لذلك لا بد من كل هذه التمهيدات . إذن ، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على اللّه .
وها هو ذا قابيل يقول :
« يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ »
كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئا يفعله الطائر الذي أمامه ، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل ، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك ، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب . فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسىّ شديد قاس على وجدانه .
لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه ، بينما عرف الغراب كيف يوارى جثة غراب آخر . وهكذا أصبح قابيل من النادمين
« فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » .
إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين « ندم » و « ندم » . وعلى سبيل المثال : هناك إنسان قد جرؤ على حدود اللّه وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشترى بها طعام