الواحد منا ذلك إلا وقد بدرت من الابن بوادر لا تتناسب مع مقدمات النعم ومقدمات الفضل عليه . فكأن قوم موسى قد أرهقوه وتحمل منهم الكثير ؛ لدرجة أنه قال لهم على سبيل الزجر ما قد يجعلهم يفيقون وينتبهون ويفطنون إلى ذكر نعمة اللّه عليهم ، ومعنى ذكر النعمة هو الاستماع إلى منهج اللّه وتنفيذ أوامر الحق واجتناب النواهي .
« وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ »
وعرفنا أن
« النَّعْمَةِ »
يقصد بها الجنس والمراد بها النعم كلها ، أو كأن كل نعمة على انفرادها خليقة وجديرة أن تذكر وتشكر ، والدليل على أن النعمة يراد بها كل النعم أن اللّه قال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
( من الآية 34 سورة إبراهيم )
وما دام عدّ النعمة لا نستطيع معه أن نعرف إحصاءها ؛ فهي نعم متعددة . إذن فالمراد بالنعمة كل النعم لأنها اسم جنس .
« وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ »
وذكر النعمة يؤدى إلى شكر المنعم ويؤدى أيضا إلى الاستحياء من أن نعصى من أنعم ، ويجعلنا نستحي أن نأخذ نعمته لتكون معينا لنا على معصيته .
« اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ »
وهي نعم كثيرة تمتعوا بها ، ألم يفلق الحق لهم البحر :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
( من الآية 63 سورة الشعراء )
وبعد أن ضرب الماء بالعصا :
فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
( من الآية 63 سورة الشعراء )
فقد صار الماء السائل جبالا . وضرب لهم الحجر ؛ بأمر اللّه فانفجرت منه المياه :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
( من الآية 60 سورة البقرة )