تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 2888

مساهمون:

ص٢٨٨٨
بِالْعُقُودِ »
والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول ، ولم يقل : يا أيها المؤمنون » ، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمرا عابرا يمر بالإنسان فترة من الزمن ؛ ولكن الإيمان أمر يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيمانى . وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا ، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه ، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخرّه للخلق . اللّه - سبحانه وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان ، بل دعا الناس جميعا أولا إلى الإيمان ، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
أي يا من آمنتم باللّه إلها . والإله لا بد له من صفات تناسب الألوهية ، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر . وسبحانه لا يكلف من لم يؤمن به ، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان ، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ » ؛ *
لأن لكل إيمان تبعة .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ ؛ ف « أوفوا » على سبيل المثال فيها « وفي » . والمضارع هو « يفي » ، وفي أفعالها « أوفى » و « وفّى » ، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفا وكثرة وقلة ، مثال ذلك قوله الحق :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
( 37 ) ( سورة النجم ) وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السّلام بالكثير من الإنجاز :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
( من الآية 124 سورة البقرة ) ولا بد أن يكون قوله الحق :
« وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى »
شرحا لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء ، فالتوفية هي الإتمام . والحق يقول :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
أي عليكم يا من آمنتم باللّه أن تتموا العقود . والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد ، وإما أن يلتفت إلى الكيفيات فلا تختل كيفية ، هذا هو التمام . وقد يأتي إنسان بكل فصول الكتاب ويقرأها ، فيكون قد وفي قراءة كل الأجزاء ، ولكن الحق يريد أن يتقن الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف .