أي لو لم يقولوا :
( وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ )
. لما اهتدوا إلى تلك البقرة .
وهناك أشياء أقرّها الإسلام كما كانت في الجاهلية لأنها أمور عقلية ومنطقية ؛ لأن الإسلام لم يأت ليزيل نظما عاصرها ، وإنما جاء ليزيل الفساد فقط . أما الصالح بطبيعته فليبق . وإن لم يكونوا قد اهتدوا إليه فالإسلام يشرح لهم الأمر ؛ لذلك كان لا بد أن ينزل نص قرآني لكل أمر كبير في حياتهم ، وحين يجئ النص القرآني بعد أن تتطلبه الأحداث ، يتمكن في القلوب . وضربنا مثلا لذلك :
هب أن رجلا لديه صندوق أدوية بالمنزل ، وطرأ على بعض أهله حالة صحية تستدعى دواء معينا ؛ ولأن الرجل لا يعرف موضع هذا الدواء ، فإنه يبحث محتويات الصندوق جميعا ليهتدى إلى الدواء المطلوب ، وقد يمضى وقت طويل ولا يهتدى إلى ما يريد . لكن لو أن هذا الرجل لا يملك أي دواء بالصندوق ، وأصاب ابنه صداع يسير فإنه يطلب أن يشتروا له قرصا من الأسبرين من الصيدلية .
فهذا القرص قد جاء لحالة الصداع وعلاجها وانتهى الأمر .
إذن فعندما يأتي الحل عند وقوع الحادثة فهو تثبيت لليقين . وقد يكون الحل موجودا في القرآن . لكنه يغيب عنهم ولا يستطيعون الوصول إليه . ولهذا ترك الحق الأحداث تجرى وجعلهم يلتفتون ويتجهون إلى السماء لتنجدهم بالحل . ويأتي الحل عند الحادثة فلا يصير في الأمر خلاف أو تعب . لذلك كان لا بد أن يكون للقرآن نزول حسب الأحداث ، وحين تتم الأحداث ويتم المنهج بعد ثلاث وعشرين سنة من بدء نزول القرآن يشاء اللّه سبحانه أن يكون ترتيب القرآن ترتيبا مصحفيا .
إن كلا من الترتيب المصحفى والترتيب النزولي يعطى معجزة للقرآن ولمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فيه سور طوال ، وآيات كثيرة ، ويعلمه جبريل : ألحق هذه الآية بالمكان الفلاني . ويقرأ النبي هذه الآيات في الصلاة ويزيد عليها الآيات الجديدة ، وتتجلى عظمة الرسول حين يصلى بالآيات ويزيد عليها بما نزل عليه ، وتلك مسألة مقصودة . ويقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للصلاة معتمدا على أن الذي أنزل عليه القرآن قال له :