وعندما جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آمن به بعض وكفر به بعض . ولذلك سمى الحق كفرهم بالنبي الخاتم :
( ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) *
. أي أنه كفر في القمة ، فلن يأتي نبي من بعد ذلك . واكتمل به صلّى اللّه عليه وسلّم موكب الرسالات .
إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة ، تؤمن بقوة لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما أعدته القوة من ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي . ولذلك كان ولا بد أن يوجد رسول ؛ لأن العقل يقود إلى ضرورة الإيمان باللّه والرسل . وجاء الرسل في موكب واحد لتصفية العقيدة الإيمانية لإله واحد ، فلا يقولن واحد : لقد آمنت بهذا الرسول وكفرت ببقية الرسل . والآية التي نحن بصددها الآن تتعرض لذلك فتقول :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
( 150 )
( سورة النساء )
ونحن نعلم أن « كفر » معناها « ستر » . والستر - كما نعلم - يقتضى شيئا تستره ، والشئ الذي يتم ستره موجود قبل الستر لا بعد الستر . والذي يكفر بوجود اللّه هو من يستر وجود اللّه ؛ فكأن وجود اللّه قد سبق الكفر به . إذن فكلمة الكفر باللّه دليل على وجود اللّه . ونقول للكافر : ماذا سترت بكفرك ؟ وستكون إجابته هي :
« اللّه » . أي أنه آمن باللّه أولا .
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ »
هم الحمقى ؛ لأن هذا أمر غير ممكن ، وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله . ولذلك نجد قوله الحق :
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
( من الآية 74 سورة التوبة )
إنه حدث واحد من اللّه ورسوله . لذلك نجد أن الحمقى هم من يريدون أن يفرقوا بين اللّه ورسله :
« وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ »
لهؤلاء نقول : إن الإيمان قضية كلية ، فموكب الرسالة من الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة