نفسها ، ليجليها فيقول :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ »
وهذا استفهام ، والاستفهام أصلا سؤال من سائل يتطلب جوابا من مجيب . وسبحانه وتعالى يريد أن يعرض قضية موثوقا بها فهو لا يأتي بها خبرا ، فهو القادر على أن يقول : أنا لا أفعل بعذابى لكم ولا أحقق لذاتي من ورائه شيئا ، فلا استجلب به لي نفعا ولا أدفع به عنى ضرا .
لكنه هنا لا يأتي بهذه القضية كخبر من عنده ، بل يجعل المنافقين يقولونها . مثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - يقول واحد لآخر : أنت أهنتنى . ومن الجائز أن يرد الآخر : أنا لم أهنك . وأقسم لك أنني ما أهنتك . وقد يضيف : ابغنى شاهدا .
وهنا نجد مراحل المسألة تبدأ بالإبلاغ عن عدم الإهانة ، ثم القسم بأن الإهانة لم تحدث ، ومن بعد ذلك طلب شاهدا على أن الإهانة المزعومة قد حدثت .
وقد يقول الإنسان ردا على من يتهمه بالإهانة : أنا أترك لك هذه المسألة ، فماذا قلت لك حتى تعتبره إهانة ؟ ومن يقول ذلك واثق أن من شعر بالإهانة لو أدار رأسه وفكره فلن يجد كلمة واحدة تحمل في طياتها شبهة الإهانة .
ولو كان الإنسان واثقا من أنه أهان الآخر ، فهو يخاف أن يقيم الآخر دليلا على صحة اتهامه له ، ولكن حين يقول له : وماذا قلت لك حتى تعتبر ذلك إهانة ؟ . فعليه أن يبحث ولن يجد . وبذلك يكون الحكم قد صدر منه هو .
وإذا كان اللّه يقول :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ »
فهذا خطاب لجماعة كانت ستتعذب . وكانت فيهم محادة للّه . ورضى اللّه شهادتهم ، فكأن هذه لفتة على أن العاصي يستحق العذاب بنص الآية :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ » ،
ومستعد لهذا العذاب لأنه محاد للّه . ولكن اللّه يقبل منه ومن أمثاله أن يشهدوا . وهذا دليل على أن الإيمان الفطري في النفس البشرية ، فإذا ما حزبها واشتد عليها الأمر لم تجد إلا منطق الإيمان .
ويوضح الحق للمنافقين : ماذا أفعل أنا بعذابكم ؟ فلن يجدوا سببا خاصا باللّه ليعذبهم ، فكأن الفطرة الطبيعية قد استيقظت فيهم ؛ لأنهم سيديرون المسألة في نفوسهم .