هنا ؟ لأن تدبير النفاق كان ينبع من قلوبهم أولا . ونعلم أن القلب قد يذنب ، فذنب الجارحة أن تعتدى ، مثال ذلك العين تذنب حين تعتدى على محارم الآخرين ، واللسان يذنب إن تعرض بالسب أو الشتم للناس . إذن . فكل جارحة لها مجال معصية ، وهنا مجال معصية القلب هو النفاق وهو الأمر المستور . إذن فقوله الحق :
« وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ »
جاء ليؤكد ضرورة الإخلاص في التوبة عن النفاق ، والإخلاص محله القلب .
فكأن توبة القلوب غير توبة الجوارح ، فتوبة الجوارح تكون بأن تكف الجوارح عن مجال معاصيها . أما توبة القلب فهو أن يكف عن مجال نفاقه بأن يخلص .
وبذلك أثبت الحق مزية المؤمنين الذين لم ينغمسوا في النفاق . وجعل التائبين من المنافقين مع المؤمنين ، فكأن الأصل في التنعيم وفي نيل الجزاء العظيم هو الوجود مع المؤمنين .
« فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً » .
ومن هنا نعلم أن الأجر العظيم يكون للمؤمنين . ومن يوجد مع المؤمنين ينال الأجر نفسه . وقد جعل الحق الجزاء من جنس العمل . وكان المنافقون ينافقون ليأخذوا من المؤمنين ظواهر الإسلام كصون المال والدماء وليعتبرهم الجميع ظاهريا وشكليا من المسلمين ، وهم حين نافقوا المسلمين أعطاهم المسلمون ما عندهم .
وعندما تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا الدين للّه جعلهم اللّه مع المؤمنين ، ويعطى سبحانه لأهل الإيمان أجرا عظيما .
ثم يقول الحق سبحانه :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 147 ]
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 )
وسبحانه قد أوضح من قبل أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، واستثنى منهم من تاب وأصلح واعتصم باللّه وأخلص ، ويتحدث هنا عن فكرة العذاب