يسر ، فإذا قال الحق :
« بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
فمعنى ذلك أن الغم يأتي مركبا . فقد بسط الحق أنفسهم بالبشارة أولا ، ثم أنهاها بالنذارة .
وعلى سبيل المثال - وللّه المثل الأعلى - يقول الأب لابنه : استذكر يا بنى حتى لا ترسب ، لكن الابن يستمر في اللعب ثم يقول الأب : يا بنى لقد اقترب الامتحان ولا بد أن تذاكر . ولا يأبه الابن لكلام الأب ، ثم يأتي الامتحان ويذهب الأب يوم اعلان النتيجة ، فيكون الابن راسبا ؛ فيقول الأب لابنه : أهنئك لقد رسبت في الامتحان ! فقوله أهنئك تبسط نفس الابن ؛ لأنه يتوقع سماع خبر سار ، ويسمع بعدها لقد رسبت تعطيه الشعور بالقبض .
والحق سبحانه وتعالى يبلغ رسوله :
« بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
« بشر » لها علاقة بالمدلول الاشتقاقي ؛ لأن الانفعالات يظهر أثرها على بشرة وجهه ؛ فإن كان الانفعال حزنا فالوجه يظهر عليه الحزن بالانقباض ، وإن كان الانفعال سرورا فالوجه يظهر عليه السرور بالانبساط . وتعكس البشرة انفعالات النفس البشرية من سرور وبشاشة وإشراق أو عبوس وتجهم ، فالبشارة تصلح للإخبار بخبر يسر ، أو بخبر يحزن ويسئ ، ولكنها غلبت على الخبر السار ، وخصت النذارة بالخبر الذي يحزن وتنقبض النفس له .
« بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
. والبشارة - كما قلنا - توحى بأن هناك خبرا سارا ، فيأتي الخبر غير سار . وكما يقول الحق في آية أخرى يصور بها عذاب الكافرين يوم القيامة وكيف أنّه يصعد العذاب معهم :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا
( من الآية 29 سورة الكهف )
ساعة نسمع
« وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ »
نفهم أن بردا يأتي لهم أو رحمة تهب عليهم ، ولكن الإغاثة التي تأتى لهم هي :
كَالْمُهْلِ
( من الآية 29 سورة الكهف )