ولكن اللّه يريد أن يرينا تأييد اللّه لرسوله ، في موقف إنهاكه وكيف يقف من جبار قريش هذا الموقف ، هذا الجبار هو « أبي بن خلف الجمحي » وكانت عنده رمكة « 1 » فيقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هذه الرمكة أنا أعلفها كل يوم فرقا « 2 » من ذرة لأقتلك عليها . فيقول له رسول اللّه قولة الواثق من أن ربه لن يخذله : « بل أنا أقتلك إن شاء اللّه » .
لم يلتق هذا الرجل مع رسول اللّه وهو في قوته ، ولكنه جاء لرسول اللّه وهو في هذا الموقف الذي أثخنته فيه الجراح وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وسال دمه . وبعد ذلك يأتي إليه هذا الرجل - أبي بن خلف الجمحي - وهو يقول :
أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا ، فقال القوم : يا رسول اللّه أيعطف عليه رجل منا ؟
فيشير إليهم رسول اللّه أن اسكتوا . إنه - رسول اللّه - لا يريد قوة لقوة ، ولكنه علم أن أبيّا قد عرف أن رسول اللّه منهك فجاء في هذا الوقت ، فأخذ رسول اللّه الحربة ، وضرب أبي بن خلف بها فنالت منه ، فسقط من على فرسه يخور كما يخور الثور ، فقال له أصحابه : « لا بأس عليك يا أبىّ ، ما أجزعك : إنما هو خدش » « 3 » .
وهذا الذي قتله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي اشتد عليه غضب اللّه تعالى لما رواه ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : « اشتد غضب اللّه على من قتله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده في سبيل اللّه واشتد غضب اللّه على قوم دموا وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 4 » .
ولننظر كيف أن الذين عادوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استكبارا وعنادا ، ولم
هامش
( 1 ) الرمكة : أنثى البرذون ويطلق على غير العربي من الخيل ، عظيم الخلقة غليظ الأعضاء قوى الأرجل عظيم الحوافر .
( 2 ) الفرق : مكيال يسع ستة عشر رطلا 7 ك ج تقريبا .
( 3 ) ابن كثير في التفسير .
( 4 ) رواه البخاري .