اذكر يا محمد :
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 )
( الآية 121 سورة آل عمران )
و
« تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ »
أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال ، وبوأت فلانا يعنى : وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع ، واسمه وطن ؛ لأن الوطن يرجع إليه الإنسان .
انظر إلى الدقة الأدائية لقول الحق :
« وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ »
أي تجعل لهم مباءة ووطنا . وكلمة « مقاعد » أي أماكن للثبات ، والحرب كرّ وفرّ وقيام ، والذي يحارب يثبته اللّه في المعركة ، فكأنه موطّن في الميدان ، فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن ألا يلتفت أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبتّه وبوّأته فيه أي إن هذا هو وطنك الآن ؛ لأن مصيرك الإيمانى سيكون رهنا به .
إذن فقوله :
« وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ »
أي توطن
« الْمُؤْمِنِينَ »
وتقول لهم :
إن وطنكم هو مقاعدكم التي ثبتكم بها . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالرماة ؛ وأمّر عليهم « عبد اللّه بن جبير » وهم يومئذ خمسون رجلا وقال رسول اللّه لهم :
« قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا » « 1 » .
لكنهم لم يقدروا على هذه لأن نفوسهم مالت إلى الغنيمة ؛ وشاء اللّه أن يجعل التجربة في محضر من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : حتى يبين للمؤمنين في كل المعارك التي تلى ذلك أن اتباع أمر القائد يجب أن يكون هو الأساس في عملية الجندية .
وإنكم إن خالفتم الرسول فلابد أن تنهزموا .
هامش
( 1 ) رواه ابن سعد وابن هشام والبخاري بنحوه .