يبيت ويمكر فاعرف أنه جبان ؛ لأن الشجاع لا يكيد ولا يمكر ، إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي لا يقدر على المواجهة ، فإن تصبروا على مقتضيات عداواتهم وتتقوا اللّه لا يضركم كيدهم شيئا ؛ لأن اللّه يكون معكم .
ويذيل الحق الآية بالقول الكريم :
« إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
. وساعة ترى كلمة « محيط » فهذا يدلك على أنه عالم بكل شئ . والإحاطة : تعنى ألا تشرد حاجة منه . وها هي ذي تجربة واقعية في تاريخ الإسلام ؛ يقول الحق فيها مؤكدا :
« وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
وعلى كل منا أن يذكر صدق هذه القضية .
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 )
إنه في هذه المرة - في غزوة أحد - جاء الكفار بثلاثة آلاف وكان المسلمون قلة ، سبعمائة مقاتل فقط ، وحتى يبين الحق صدق قضاياه في قوله :
« وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً »
وليس المقصود هنا الكيد التبييتى بل عملهم العلني ، أي واذكر صدق هذه القضية :
« وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ »
، والغدوة هي : أول النهار ، والرواح : آخر النهار ، والأهل : تطلق ويراد بها الزوجة ، والمقصود هنا حجرة عائشة ؛ لأن الرسول كان فيها في هذا الوقت الذي أراد فيه كفار قريش أن يثأروا لأنفسهم من قتلى بدر وأسراهم ، لقد جمعوا حشودهم ، فكل موتور من معركة بدر كان له فرسان وله رجال ، حتى أنهم بعد معركة بدر قال زعيمهم أبو سفيان لأصحابه : قل للنساء لا تبكين قتلاكم فإن البكاء يذهب الحزن ، فالدموع يسمونها غسيل الحزن ، أو ذوب المواجيد ، فساعة يبكى إنسان حزين يقول من حوله : دعوه يرتاح .