المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يردّون بها على توليهم الأدبار . إنه حكم تأبيدى ، لأن « ثم » تأتى للتعقيب مع التراخي ، والفاء تأتى للتعقيب المباشر بدون تراخ . ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالآتى :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
( 21 )
( سورة عبس )
لأن دخول القبر يكون بعد الموت مباشرة ، وبعدها يقول الحق :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( 22 )
( سورة عبس )
فإذا كان هناك تعقيب بعد مدّة زمنية فالحق يأتي ب « ثم » ، وإذا كان هناك تعقيب فورى بلا مدّة يأتي الحق ب « ف » . والتعقيب في الآية التي نتناولها يأتي بعد « ثم » ، وكأن هذا حكم مستمر من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان ، ولو بعد انتهاء المعركة القائمة الآن بينهم ، إنها هزيمة بحكم نهائي ، هذا هو القول الفصل :
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
وهو أشد وقعا مما لو جاء « لا ينتصرون » لماذا ؟ لأن من الممكن ألّا ينتصر أهل الكفر بذواتهم ، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم - أهل الكفر - لا ينتصرون لا بذواتهم ، ولا ينصرون بغيرهم أيضا .
إن
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
قضية دائمة فليست المسألة مقصورة على عهد رسول اللّه فقط ، ولكنها ستظل إلى أبد الآبدين .
ومن السطحية في الفهم أن نقول : إن الآية كانت تتطلب أن يكون القول « ثم لا ينصروا » لأن الاعراب يقتضى ذلك . لكن المعنى اللائق بالمتكلم وهو الحق سبحانه وتعالى الذي يعطى الضمان والاطمئنان للأمة المسلمة أمام خصومها لا بد أن يقول :
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
وهي أكثر دقة حتى من « لا ينتصرون » لأن « ينتصرون » فيها مدخلية الأسباب منهم ، أما
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
فهي تعنى أن لا نصر لهم أبدا ، حتى وإن تعصب لأهل الفسق قوم غيرهم وحاولوا أن ينصروهم فلن يستطيعوا ذلك .
فإن رأيتم - أيها المسلمون - نصرا للكافرين عليكم منهم أو بتعصب قوم لهم