إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعا ، لقد هزمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وبعد هذا أرادوا أن يرتفعوا عن الأذى إلى الضرر الحقيقي فلم يمكنهم اللّه ؛ لأن الحق يقول :
« وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
، فإن أراد أهل الفسق أن يصعّدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ضررا حقيقيا ، فإن الكافرين يولون الأدبار أمام المؤمنين ، فهزيمتهم أمر لا مناص منه . ونحن نعرف في اللغة أن هناك ما نسميه « الشرط » وما نسميه « الجواب » ف « إن » حرف شرط تجزم فعل الشرط وجوابه فإن كان الفعل من الأفعال الخمسة فإنّنا نحذف النون ، ولذلك نجد القول الحق :
« وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ »
.
إن
« يُقاتِلُوكُمْ »
فعل شرط محذوفة منه النون . و
« يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ »
أصلها يولونكم الأدبار . وهي جواب شرط حذفت منه النون ، وعندما يأتي العطف بعد ذلك ، فهل يكون بالرفع أو بالجزم ؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم ! ! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله :
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
. إنها كسرة إعرابيّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جللا ، لأن المتكلم هو اللّه سبحانه . كيف جاءت « النون » ؟
هنا نقف وقفة فلننطق الآية ككلام البشر : إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا . وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة ، لكن ما الذي سوف يحدث من بعد ذلك ؟ ماذا يحدث عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق ؟ وتكون الإجابة هي :
« ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
إن هذا القول الحكيم يحمل قضية بعيدة عن الشرط والجزاء ، إنها حكم من اللّه على أهل الفسق بأنهم لا ينصرون أبدا سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة ، وليست معطوفة على الشرط ، فعلة عدم النصر ، ليست القتال ، ولكنها الكفر .
وإذا دققنا الفهم في العبارة حروفا - بعد أن دققنا فيها الفهم جملا - لوجدنا معنى جديدا ، فقد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير ، هو
« يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ »
لأن الذي يأتي بعد ال « فاء » يعطى أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم ، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب . لكن الحق أورد حرف « ثم » وهو يفيد التراخي ، وهذا يعنى أنهم لا ينتصرون عليكم أيها