يقال : إن هذا الإنسان قد عوج الحديد ؟ . لا ؛ إنه يريد أن يشكل عود الحديد ليكون صالحا لمهمة معينة . وكذلك الاسوداد أو الابيضاض في الدنيا ، إنما أراده اللّه ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة ، أما في الآخرة فالدنيا قد زالت وفنيت ، والأرض لن تكون هي الأرض والسماء لن تكون هي السماء ؛ فالحق يقول :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 48 )
( سورة إبراهيم )
فالمؤمن حين يرى ما أعده اللّه له من النعيم المقيم يقابل عطاء اللّه باستشراف نفس وسرور وانبساط ، أما الذي يرى مقعده من النار فلابد أن يكون مظلم الوجه .
والحق سبحانه يوجه سؤالا لهؤلاء :
« أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ »
أو كأن هذا أمر يفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس في الدنيا ؛ فقد رأوهم في الدنيا بيض الوجوه ، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم قترة ، فيقولون لهم :
« أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ »
؟ . وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد الإيمان . هذه هي سمتهم وعلامتهم في الآخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون ؟ إنه الكفر بعد الإيمان .
فمن هم الذين كفروا بعد الإيمان ؟
هذا يعنى أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر ، وماتوا على ذلك الكفر ، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت وغيره ، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان . أو يكون
« أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ »
يجعلنا نقول : البعدية هنا لابد أن يكون لها قبلية : ألم يأخذ اللّه على خلقه عهدا في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم ؟ وقال سبحانه :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
( من الآية 172 سورة الأعراف )
إنه إقرار إيماني موجود في عالم الذّر ، فمن جاء في الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان . أو أكفرتم بعد إيمانكم بمحمد ، بعد أن جاءتكم به البشارات التي