يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن يخاطبوا من اللّه مباشرة : فإذا ما وجدنا خطابا من الحق للخلق ، مرة مسبوقا ب « قل » ومرة أخرى غير مسبوق فلتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة ، ويجعلهم أهلا لأن يخاطبهم ، ومرة حين يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : قل لهم .
والمثال على ذلك - وللّه المثل الأعلى - في حياتنا ، نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه : قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت . إن هذا القائل قد تعالى عن أن يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر صاحب الصوت العالي بالسكوت . وحين يجئ الخطاب لأهل الكتاب فنحن نعرف أنهم اليهود أصحاب التوراة ، والنصارى أصحاب الإنجيل ، وهؤلاء هم من يقول عنهم الحق :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ »
.
ولم يقل أحد لنا : « يا أهل القرآن » لماذا ؟ لأن الحق حين يقول لهم :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ »
فنحن نعرف أن الكتاب يطلق على كل مكتوب ، وكفرهم يعارض ما علم اللّه أنه موجود في الكتاب الذي أنزل عليهم ؛ لأنه هو الذي أنزل الكتاب ، ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى الإيمان ، ولا يدعو إلى الكفر . وما دام هو الحق الذي نزّل الكتاب ، وهو الشاهد ، فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر ؛ لأنهم بذلك يكذبون على اللّه : واللّه - سبحانه - يسجل عليهم أنهم خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم . إنهم - أهل الكتاب - إن استطاعوا تعمية أهل الأرض فلن يستطيعوا ذلك بالنسبة لخالق الأرض والسماء .
والحق حين يقول :
« لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ »
فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات اللّه هو سترهم آيات اللّه سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها ، ثم كفروا بها ؟
لنرى ماذا حدث منهم ، لقد كانت البشارات به صلّى اللّه عليه وسلّم مكتوبة في التوراة ، ومكتوبة في الإنجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجئ سيدنا رسول اللّه ، فلما جاء رسول اللّه بالفعل كفروا بها . وفي هذا جاء القول الحكيم :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ