« إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ »
مؤكد ذلك ، وما دام قد جاء الفعل مبنيا للمفعول فواضعه غير الناس ، ف « وضع » هو فعل مبنى على ما لم يسم فاعله ، فمن الذي وضعه ؟ هل هم الملائكة ؟
قد يصح ذلك وهو أن يكون الملائكة قد تلقوا الأمر من اللّه بمزاولة هذا البناء ؛ ولكن الحق يقول عن هذا البيت إنه :
« هُدىً لِلْعالَمِينَ »
وهذا يعنى أن البيت هدى للملائكة ؛ لأنهم عالم ، وهذا يعنى أن البيت قد وضعه اللّه من قبل ذلك ، إن أحدا لا يقدر أن يجعل الكون على قدر العقل البشرى ، إن على العقل البشرى أن يكون في ركاب الكون ، وإياك أن تجعل الكون في ركاب عقلك . أما مسألة أن إبراهيم قد بنى الكعبة أولا فهذا عدم فهم للنص القرآني القائل :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 127 )
( سورة البقرة )
فما هو الرفع ؟ إنه إيجاد البعد الثالث وهو الارتفاع ، فالطول والعرض موجودان إذن فهذا دليل على وجود البيت قبل أن يقيم إبراهيم عليه السّلام ارتفاع البيت .
وهكذا نستنتج أن الذي كان مطموسا هو القاعدة والارتفاع ، مع وجود الطول والعرض اللذين يحددان المكان ، أما البناء فهو الذي يحدد « المكين » وعندما انهدم البيت الحرام كان الناس يتجهون إلى المكان نفسه . ونحن عندما نصلى في الدور الثالث في الحرم ، فإننا نتجه إلى الهواء الموجود من فوق الكعبة ، ولو حفرنا نفقا تحت الأرض بألف متر ، وأردنا أن نصلى فإننا سنتجه إلى جذر الكعبة ، وهكذا نعرف أن جو الكعبة كعبة .
إذن فعمل إبراهيم عليه السّلام كان في إيجاد المكين لا المكان ، ولنقرأ بالفهم الإيمانى ما حدث لإبراهيم عليه السّلام . لقد أخذ إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل ، وخرج بهما ليضعهما في هذا المكان . « وهاجر » تعرف أن مكونات الحياة هي المياه والهواء والقوت ، وهذا المكان لا توجد به حتى المياه ، لذلك قالت هاجر سائلة إبراهيم عليه السّلام : كيف تتركنا هنا ؟ هل أنزلتنا هنا برأيك أم بتوجيه من اللّه ؟