لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن اللّه لم يختر رسولا أمينا على المنهج ، وظنوا باللّه ظن السوء ، أو أنهم ظنوا أن الرسول سيحرف المنهج كما حرفوه هم ، فتحولوا عن عبادة اللّه إلى عبادة من بعثه اللّه رسولا ، ولذلك جاء القول الفصل
« ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ »
.
وقد ينصرف المعنى أيضا إلى أن بعض صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يجلّونه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكل مؤمن مطلوب منه أن يجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأن يعظمه ، ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قالوا له : أنسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، ألا نسجد لك ؟
إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يطلب السجود له من أحد ، والحق سبحانه هو الذي كلف عباده المؤمنين بتكريم رسوله فقال :
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 63 )
( سورة النور )
إن المطلوب هو التعظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا أن نعطى له أشياء لا تكون إلا للّه . إن تعظيم المسلمين لرسول اللّه وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفا عن دعاء بعضنا بعضا .
والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول :
« وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ »
.
إن « لكن » هنا للاستدراك ، مثلما قلنا من قبل : إن « بلى » تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها . إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لأحد من البشر أن يقول :
« كُونُوا عِباداً لِي »
بعد أن أعطاه اللّه الكتاب والحكم والنبوة ، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها هي :
« كُونُوا رَبَّانِيِّينَ »
وكلمة « رباني » ، وكلمة « رب » ، وكلمة « ربيون » ، وكلمة « ربان » ، وكل المادة المكونة من « الراء » و « الباء » تدل على التربية ، والولاية ، وتعهد المربى ، وتدور