تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 1469

مساهمون:

ص١٤٦٩
ونريد أن نقف وقفة ذهنية تدبرية عند قولها :
« قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ »
فلو أنها سكتت عند قولها :
« أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ »
لكان أمرا معقولا في تساؤلها ، ولكن إضافتها
« وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ »
تثير سؤالا ، من أين أتت بهذا القول
« وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ »
؟ هل قال لها أحد : إنك ستلدين ولدا من غير أب ؟ إن الملائكة لم تخبرها بذلك ، لذلك انصرف ذهنها إلى مسألة المس . إنها فطرة وفطنة المهيأة والمعدة للتلقى عن اللّه ، عندما قال لها :
« الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ »
. قالت لنفسها : إن نسبته بأمر اللّه هي لي ، فلا أب له ، لقد قال الحق : إنه
« ابْنُ مَرْيَمَ »
ولذلك جاء قولها :
« وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ »
ذلك أنه لا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب . هكذا نرى فطنة التلقي عن اللّه في مريم البتول . لقد مر بها خوف عندما عرفت أن عيسى منسوب إليها وقالت لنفسها : إن الحمل بعيسى لن يكون بوساطة أب ، وكيف يكون الحمل دون أن يمسسني بشر . وقال الخالق الأكرم : « كذلك » أي لن يمسك بشر ، ولم يقل لها : لقد نسبناه لك لأنك منذورة لخدمة البيت ، ولكن الحق قال : « كذلك » تأكيدا لما فهمته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر . وتتجلى طلاقة القدرة في قوله سبحانه :
« اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
. إنها طلاقة القدرة ، وطلاقة القدرة في الإنسال أو الإنجاب أو في عدم التكثير بالنسبة للإنسان ، وطلاقة القدرة لا تتوقف على إيجاد ذكورة وأنوثة ، ولو كانت طلاقة القدرة متوقفة على إيجاد ذكورة وأنوثة فكيف خلق آدم أول الخلق ؟ إن طلاقة القدرة في الخلق لا تتوقف على إيجاد ذكورة وأنوثة ، إنه الحق الأعلى القادر على أن يخلق دون ذكورة أو أنوثة ، كخلقه لآدم عليه السّلام ، ويخلق الحق سبحانه بواحد منهما ، كخلقه سبحانه لحواء وخلق عيسى عليه السّلام ، ويخلق الخالق الأعلى بالذكورة والأنوثة ، وهذه تتضح في خلق جمهرة الناس ، ولا تظنوا أن باجتماع الذكورة والأنوثة يمكن أن يحقق الخلق ، فقد توجد الذكورة والأنوثة ولا يوجد إنجاب ، هاهوذا القول الحق :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً