وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ »
وحين تسمع كلمة « الحرث » فافهم أن المراد بها هنا الزرع ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى يريد منك أن تعلم أن اللّه حين ينبت لك أشياء بدون معالجتك فإنه يريد منك أيضا أن تستنبت أشياء بمعالجتك ، وهذا لا يتأتى إلا بعملية الحرث .
والحرث هو إهاجة الأرض ؛ فالتربه تكون جامدة ، فلا بد أن يهيّجها الإنسان بالحرث ، أي أن تفك يبوستها وتلاصق ذراتها ؛ لأن تلاصق ذرات التربة لا يصلح أن يكون بيئة للنبات ؛ لأن النبات يحتاج إلى الماء ويحتاج إلى الهواء ، ويحتاج من الإنسان أن يمهد للشعيرات البسيطة أن تخرج ، وتجد تربة سهلة تتحرك فيها إلى أن تقوى .
إذن فالحرث يتثير الأرض ، ويجعلها ليّنة متفتتة حتى تستطيع البذرة أن تنمو ؛ لأن اللّه قد أودع في فلقتى كل بذرة مقوّمات الحياة إلى أن يوجد لها جذر يأخذ مقومات الحياة من الأرض ، وكلما قوى الجذر في النبات فإن الفلقتين تضمحلان ، وتصيران مجرد ورقتين . فأين ذهب حجم الفلقتين ؟
لقد قامت الفلقتان بتغذية النبتة إلى أن استطاعت النبتة أن تتغذى بنفسها من الأرض ، ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا كانت الأرض محروثة . ولذلك يقولون : إن الأرض الطينية السوداء تكون صعبة ، وغير خصبة ، ويقال : إن الأرض الرملية أيضا غير خصبة ، لماذا ؟ .
لأننا نريد صفتين اثنتين في الأرض : الصفة الأولى أن تكون الأرض صالحة أن يتخللها الماء ليشرب الزرع ، والصفة الأخرى ألّا تسرب الماء بعيدا ، فإذا كانت الأرض طينية فإن جذور الزرع تختنق وتتعطن ، وإذا كانت رملية فإن الماء يتسرب بعيدا ، لذلك نحتاج في الزراعة إلى أرض بين سوداء ورملية ، أي أرض صفراء .
واللّه حين يتكلم عن الزرع فإنه يقول : « الحرث » وذلك حتى يلفتنا إلى أن من يريد أن يأخذ زرعا لا بد أن يجدّ ويحرث الأرض . وهو سبحانه القائل :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
( 64 )
( سورة الواقعة )