بعدها . وقال جماعة : متى سمعت ( كلّا ) في سورة فاحكم بأنها مكيّة ، لأن فيها معنى التهديد والوعيد ، وأكثر ما نزل ذلك بمكة ، لأن أكثر العتوّ كان بها ، وهذا كلام فيه نظر ، لأن كلا أحيانا لا تحمل معنى الزجر كقوله تعالى ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ، ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين . كلا إن كتاب الفجار لفي سجّين ) .
ورأى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما أن معنى الردع والزجر ليس مستمرا فيها ، فزاد فيها معنى ثانيا يصح عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها ، ثم اختلفوا من تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال :
1 - قال الكسائي ومتابعوه : تكون معنى حقا .
2 - قال أبو حاتم ومتابعوه : تكون بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية .
3 - قال النضر بن شميل والفراء ومن وافقهما : تكون حرف جواب بمنزلة ( إي ) و ( نعم ) وحملوا عليه قوله تعالى : ( كلا والقمر ) فقالوا معناه : إي والقمر .
وقول أبي حاتم أولى من قولهما ، لأنه أكثر اطرادا ، لأن أنّ تكسر بعد ( ألا ) الاستفتاحية ولا تكسر بعد حقا ، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم . وقد تحمل ( كلا ) أحيانا معنى الردع ومعنى الاستفتاح ، كقوله تعالى : ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) لأنها لو كانت بمعنى حقا لما كسرت همزة إن بعدها ، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع ، لأنها بعد الطلب ، كما يقال ( أكرم فلانا ) فتقول :
( نعم ) .
[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 22 إلى 28 ]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 22 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 23 ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ( 26 )
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 )