منهم رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين » .
أقول : قوله عليه السّلام : « واعلم يا عبد اللّه أنّ الرّاسخين في العلم » إلخ ظاهر في أنّه عليه السّلام أخذ الواو في قوله تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
للاستئناف دون العطف ، كما استظهرناه من الآية ، ومقتضى ذلك ، أنّ ظهور الآية لا يساعد على كون الرّاسخين في العلم عالمين بتأويله ، لا أنّه يساعد على عدم إمكان علمهم به ، فلا ينافي وجود بيان آخر يدلّ عليه - كما تقدّم بيانه - وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمّة أهل البيت كما سيأتي .
وقوله عليه السّلام : « الّذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة دون الغيوب » خبر « إنّ » ، والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الرّاسخين في العلم ، بالاعتراف بالجهل فيما جهله ، فيكون منهم ، وهذا دليل على تفسيره عليه السّلام الرّاسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ، ولم يتعدّ إلى ما جهله . والمراد بالغيوب المحجوبة بالسّدد ، المعاني المرادة بالمتشابهات المخفيّة عن الأفهام العامّة ، ولذا أردفه بقوله ثانيا : « فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره » ، ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله ، فافهم .
وفي « الكافي » عن الصّادق عليه السّلام : « نحن الرّاسخون في العلم ونحن نعلم تأويله » .
أقول : والرّواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ،
معطوفا على المستثنى في قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ،
لكنّ هذا الظّهور يرتفع بما مرّ من البيان ، وما تقدّم من الرّواية ، ولا يبعد كلّ البعد أن يكون المراد بالتّأويل هو المعنى المراد بالمتشابه ، فإنّ هذا المعنى من التّأويل المساوق لتفسير المتشابه ، كان شائعا في الصّدر الأوّل بين النّاس . وأمّا قوله عليه السّلام : « نحن الرّاسخون في العلم » وقد تقدّم في رواية للعيّاشيّ عن الصّادق عليه السّلام قوله : « والرّاسخون في العلم هم آل محمّد » . وهذه الجملة مرويّة في روايات أخر أيضا ، فجميع ذلك من باب الجري والانطباق ، كما يشهد بذلك ما تقدّم ويأتي من الرّوايات .
وفي « الكافي » أيضا عن هشام بن الحكم قال : قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام إلى أن قال : « يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين ، إنّهم قالوا :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
آل عمران : 8 ، علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه .
ومن لم يعقل عن اللّه ، لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها ، ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا ، وسرّه لعلانيته موافقا ، لأنّ اللّه عزّ اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل ، إلّا بظاهر منه وناطق عنه » .
أقول : قوله عليه السّلام : « لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه » ، في معنى قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
فاطر : 28 ، وقوله عليه السّلام : « ومن لم يعقل عن اللّه » إلخ ، أحسن بيان لمعنى الرّسوخ في العلم ، لأنّ الأمر ما لم يعقل حقّ التّعقّل لم ينسدّ طرق الاحتمالات فيه ، ولم