القول الأوّل : قال ابن عبّاس في رواية عطاء : يريد به العشر فيما سقت السّماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدّواليب ، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن وطاووس والضّحّاك .
فإن قالوا : كيف يؤدّي الزّكاة يوم الحصاد والحبّ في السّنبل ؟ وأيضا هذه السّورة مكّيّة ، وإيجاب الزّكاة مدنيّ ؟
قلنا : لمّا تعذّر إجراء قوله :
وَآتُوا حَقَّهُ
على ظاهره بالدّليل الّذي ذكرتم ، لا جرم حملناه على تعلّق حقّ الزّكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحقّ يوم الحصاد ، ولا تؤخّروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء .
والجواب عن السّؤال الثّاني : لا نسلّم أنّ الزّكاة ما كانت واجبة في مكّة ، بل لا نزاع أنّ الآية المدنيّة وردت بإيجابها ، إلّا أنّ ذلك لا يمنع أنّها كانت واجبة بمكّة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنيّة .
والقول الثّاني : أنّ هذا حقّ في المال سوى الزّكاة .
وقال مجاهد : إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذرّيته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته .
والقول الثالث : أنّ هذا كان قبل وجوب الزّكاة ، فلمّا فرضت الزّكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير .
والأصحّ هو القول الأوّل ، والدّليل عليه أنّ قوله تعالى :
وَآتُوا حَقَّهُ
إنّما يحسن ذكره لو كان ذلك الحقّ معلوما قبل ورود هذه الآية ، لئلّا تبقى هذه الآية مجملة ، وقد قال عليه الصّلاة والسّلام : « ليس في المال حقّ سوى الزّكاة » فوجب أن يكون المراد بهذا الحقّ : حقّ الزّكاة .
والبحث الثّالث :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنّخل ، والزّيتون والرّمّان ، يدلّ على وجوب الزّكاة في الكلّ ، وهذا يقتضي وجوب الزّكاة في الثّمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه اللّه .
فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزّرع .
فنقول : لفظ الحصد في أصل اللّغة غير مخصوص بالزّرع ، والدّليل عليه أنّ الحصد في اللّغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكلّ . وأيضا الضّمير في قوله :
( حصاده ) يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وذلك هو الزّيتون والرّمّان ، فوجب أن يكون الضّمير عائدا إليه .
البحث الرّابع : قال أبو حنيفة رحمه اللّه : العشر واجب في القليل والكثير ، وقال الأكثرون : إنّه لا يجب إلّا إذا بلغ خمسة أو سق . واحتجّ أبو حنيفة رحمه اللّه بهذه الآية ، فقال : قوله :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
يقتضي ثبوت حقّ في القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحقّ هو الزّكاة وجب القول بوجوب الزّكاة في القليل والكثير .
( 13 : 213 )
القرطبيّ : [ ذكر أقوال المفسّرين ثمّ بسط الكلام في مقدار الحقّ ، وذكر أقوال الفقهاء في ما يتعلّق به الحقّ ، إلى أن قال : ]
واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال :