كلّ ما لا يليق به ، فيدخل فيه تكذيبهم له واستهزاؤهم به دخولا أوّليّا ، فيكون وعيدا للمستهزئين .
وأمّا الحفظ عن مجرّد التّحريف والزّيادة والنّقص وأمثالها فليس بمقتضى المقام ، فالوجه الحمل على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطّعن فيه ، والمجادلة في حقّيّته .
ويجوز أن يراد حفظه بالإعجاز دليلا على التّنزيل من عنده تعالى ؛ إذ لو كان من عند غير اللّه لتطرّق عليه الزّيادة والنّقص والاختلاف .
وفي سبك الجملتين من الدّلالة على كمال الكبرياء والجلالة ، وعلى فخامة شأن التّنزيل ما لا يخفى ، وفي إيراد الثّانية بالجملة الاسميّة دلالة على دوام الحفظ ، واللّه سبحانه أعلم .
وقيل : الضّمير المجرور للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
المائدة : 67 ، وتأخير هذا الكلام - وإن كان جوابا عن أوّل كلامهم الباطل ، وردّا له - لما ذكر آنفا ولارتباطه بما يعقبه من قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا
أي رسلا ، وإنّما لم يذكر لدلالة ما بعده عليه .
مِنْ قَبْلِكَ
متعلّق ب ( أرسلنا ) أو بمحذوف هو نعت للمفعول المحذوف ، أي رسلا كائنة من قبلك . ( 4 : 10 )
البروسويّ :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
في كلّ وقت من كلّ ما لا يليق به ، كالطّعن فيه ، والمجادلة في حقّيّته ، والتّكذيب له ، والاستهزاء به ، والتّحريف والتّبديل والزّيادة والنّقصان ، ونحوها . وأمّا الكتب المتقدّمة فلمّا لم يتولّ حفظها واستحفظها النّاس تطرّق إليها الخلل .
وفي « التّبيان » : أو حافظون له من الشّياطين ، من وساوسهم وتخاليطهم .
قال في « بحر العلوم » : حفظه إيّاه بالصّرفة ، على معنى أنّ النّاس كانوا قادرين على تحريفه ونقصانه كما حرّفوا التّوراة والإنجيل ، لكنّ اللّه صرفهم عن ذلك ، أو بحفظ العلماء وتصنيفهم الكتب الّتي صنّفوها في شرح ألفاظه ومعانيه ، ككتب التّفسير والقراءات ، وغير ذلك . وفي المثنوي :
مصطفى را وعده كرد الطاف حق * گر بميرى تو نميرد اين سبق . . .
تا قيامت باقيش داريم ما * تو مترس از نسخ دين اى مصطفى
وعن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها » ذكره أبو داود في سننه . وفيما ذكر إشارة إلى أنّ القرآن العظيم ما دام بين النّاس لا يخلو وجه الأرض عن المهرة من العلماء والقرّاء والحفّاظ [ ثمّ ذكر حديثا آخر وقال : ]
فعلى العاقل التّمسّك بالقرآن وحفظه نظما ومعنى ، فإنّ النّجاة فيه .
وفي الحديث : « من استظهر القرآن خفّف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين » .
وفي حديث آخر : « اقرأوا القرآن واستظهروه فإنّ اللّه لا يعذّب قلبا وعى القرآن » .
وفي حديث آخر : « لو جعل القرآن في إهاب ثمّ ألقي في النّار ما احترق » أي من جعله اللّه حافظا للقرآن لا يحترق .
وسئل الفرزدق لم يهجوك جرير بالقيد . [ ثمّ حكى قصّة عن الفرزدق في اهتمامه بحفظ القرآن وأدام : ]