وعمّمه الطّبريّ فقال : « لم يكن اللّه تعالى دلّ بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله ولا بحجّة عقل على أنّه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم ، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا ، لم يكن لنا أن نوجّه ذلك إلى خاصّ من الحفدة دون عامّ ، إلّا ما اجتمعت الأمّة عليه أنّه غير داخل فيهم ، وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال الّتي ذكرنا عمّن ذكرنا وجه في الصّحّة ومخرج في التّأويل » .
وقال ابن عطيّة أيضا : « يحتمل عندي أنّ قوله :
مِنْ أَزْواجِكُمْ
إنّما هو على العموم والاشتراك ، أي من أزواج البشر جعل اللّه لهم البنين ، ومنهم جعل الخدمة ، فمن لم تكن له قطّ زوجة ، فقد جعل اللّه له حفدة ، وحصل تحت النّعمة ، وأولئك الحفدة هم من الأزواج ، وهكذا تترتّب النّعمة الّتي تشمل جميع العالم ، وتستقيم لفظة « الحفدة » على مجراها في اللّغة ، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة » .
وردّ ابن عطيّة القول بأنّهم البنون فقال : « هذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم ، كما لو قال :
جعلنا لهم بنين وأعوانا ، أي ولهم أعوان ، فكأنّه قال :
وهم حفدة » .
وضعّف البروسويّ قول من قال : الحفدة هم البنات ، وعلّل ذلك بقوله : « لأنّ الخطاب - لكون السّورة مكّيّة - مع المشركين ، وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الإخبار بالبنات ، فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهنّ » .
ولنا قول آخر سنتعرّض له ضمن تفسير الآية ، وهو أنّ المراد بالبنين : الأولاد ، وبالحفدة : أولاد الأولاد نسلا بعد نسل .
ثانيا : الحفيد : من الحفد ، وهو ضرب من المشي دون الخبب ، كما تقدّم ، والخبب : ضرب من العدو ، فكأنّ الحافد - مفرد الحفدة - يعدو حينما يعمل ويخدم ، وهذا من ديدن الصّغار لا الكبار . فالحفدة : هم أولاد الأولاد ، سواء كانوا ذكورا أم إناثا ، ويدخل فيهم البنون الصّغار ، وكذا الخفّ من الخدم على التّوسّع .
ثالثا : هذه الآية بدأت ب ( اللّه ) كآيتين قبلها ، وبينها علاقة في اشتمالها على ذكر مراتب الخلقة وأطوارها .
فجاء في الأولى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
النّحل : 70 .
وجاء في الثّانية :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
النّحل :
71 .
وجاء في الثّالثة :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
النّحل : 72 .
فذكر في الأولى مراتب الحياة ، وفي الثّانية مراتب الرّزق ، وفي الثّالثة مراتب الأسرة من خلق الزّوجين من جنس واحد ، ثمّ مراتب ما يولد منهما من البنين والحفدة ، وهذا السّياق يقتضي أنّ « البنين » هم الأولاد و « حفدة » من يولد منهم في طول التّناسل ، فأريد بها أولاد الأولاد نسلا بعد نسل ، وهذا الوجه أمسّ بالسّياق من الوجوه الّتي ذكروها ، فلاحظ وتأمّل .