كالمحبوس من وراء الحجاب ، والحصير : الّذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البرديّ إلى بعض ، كحبس الشّيء مع غيره .
الثّانية : ولمّا كان أصل الحصر : الحبس قالت الحنفيّة :
المحصر من يصير ممنوعا من مكّة بعد الإحرام بمرض أو عدوّ أو غير ذلك ، واحتجّوا بمقتضى الإحصار مطلقا .
قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدلّ على أنّه لا يكون من المرض ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الزّكام أمان من الجذام » ، وقال : « من سبق العاطس بالحمد أمن من الشّوص واللّوص والعلّوص » . الشّوص : وجع السّنّ ، واللّوص : وجع الأذن ، والعلّوص : وجع البطن ، أخرجه ابن ماجة في سننه .
قالوا : وإنّما جعلنا حبس العدوّ حصارا ، قياسا على المرض إذا كان في حكمه ، لا بدلالة الظّاهر .
وقال ابن عمر وابن الزّبير وابن عبّاس والشّافعيّ وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدوّ ، لأنّ الآية نزلت في سنة ستّ في عمرة الحديبيّة ، حين صدّ المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن مكّة .
قال ابن عمر : خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحال كفّار قريش دون البيت ، فنحر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هديه وحلق رأسه .
ودلّ على هذا قوله تعالى :
فَإِذا أَمِنْتُمْ
ولم يقل : برأتم ، واللّه أعلم . [ ثمّ أدام البحث في مسائل :
1 - مكان ذبح هدي الحصر .
2 - شرط الإحلال ذبح الهدي .
3 - المحصر بمرض كالمحصر بعدوّ .
4 - وجوب قضاء العمرة والحجّ على المحصر وعدمه .
5 - عدم جواز إحلال من كسر أو عرج من مكانه .
6 - الإحصار عامّ يشمل الحجّ والعمرة .
7 - لا يجوز قتال الحاصر ، مسلما كان أو كافرا .
8 - عدم الحصر مع رجاء زوال الحصر . فلاحظ ]
( 2 : 371 - 378 )
البيضاويّ : منعتم ، يقال : حصره العدوّ وأحصره ، إذا حبسه ومنعه من المضيّ ، مثل صدّه وأصدّه ، والمراد :
حصر العدوّ عند مالك والشّافعيّ لقوله تعالى :
فَإِذا أَمِنْتُمْ ،
ولنزوله في الحديبيّة ، ولقول ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما : لا حصر إلّا حصر العدوّ ، وكلّ منع من عدوّ أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة ، لما روي عنه عليه الصّلاة والسّلام : « من كسر أو عرج فقد حلّ فعليه الحجّ من قابل » . وهو ضعيف مؤوّل بما إذا شرط الإحلال به ، لقوله عليه الصّلاة والسّلام لضباعة بنت الزّبير :
« حجّي واشترطي وقولي : اللّهمّ محلّي حيث حبستني » . ( 1 : 106 )
نحوه أبو السّعود . ( 1 : 249 )
أبو حيّان :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
ظاهره ثبوت هذا الحكم للأمّة ، وأنّه يتحلّل بالإحصار . وروي عن عائشة وابن عبّاس : أنّه لا يتحلّل من إحرامه إلّا بأداء نسكه ، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره ، وليس لمحرم أن يتحلّل بالإحصار بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن كان إحرامه بعمرة لم يفت ، وإن كان بحجّ ففاته ، قضاه بالفوات بعد إحلاله منه .
وتقدّم الكلام في « الإحصار » وثبت بنقل من نقل من أهل اللّغة : أنّ الإحصار والحصر سواء ، وأنّهما يقالان في المنع بالعدوّ وبالمرض وبغير ذلك من الموانع ، فتحمل الآية على ذلك ، ويكون سبب النّزول ورد على أحد