تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 879

مساهمون:

ص٨٧٩
إلى التّنازع والتّقاتل . السّبب الثّاني : التّعزّز ، فإنّ واحدا من أمثاله إذا نال منصبا عاليا ترفّع عليه وهو لا يمكنه تحمّل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبّر ، بل غرضه أن يدفع كبره ، فإنّه قد يرضى بمساواته ، ولكنّه لا يرضى بترفّعه عليه . السّبب الثّالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره ، فيريد زوال النّعمة من ذلك الغير ، ليقدر على ذلك الغرض . ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفّار للرّسول عليه الصّلاة والسّلام إذ قالوا : كيف يتقدّم علينا غلام يتيم ، وكيف نطأطئ له رؤوسنا ؟ فقالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
الزّخرف : 31 ، وقال تعالى يصف قول قريش :
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
الأنعام : 53 ، كالاستحقار بهم والأنفة منهم . السّبب الرّابع : التّعجّب ، كما أخبر اللّه عن الأمم الماضية ؛ إذ قالوا :
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
يس : 15 ، وقالوا :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
المؤمنون : 47 ،
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
المؤمنون : 34 ، وقالوا متعجّبين :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
الإسراء : 94 ، وقالوا :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
الفرقان : 21 ، وقال :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ
الأعراف : 63 . السّبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد ؛ وذلك يخصّ بالمتزاحمين على مقصود واحد ، فإنّ كلّ واحد منهما يحسد صاحبه في كلّ نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضّرّات في التّزاحم على مقاصد الزّوجيّة ، وتحاسد الأخوة في التّزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتّوصّل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ؛ إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم . السّبب السّادس : حبّ الرّئاسة وطلب الجاه نفسه من غير توسّل به إلى مقصوده ؛ وذلك كالرّجل الّذي يريد أن يكون عديم النّظير في فنّ من الفنون ، فإنّه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحبّ موته ، وزوال النّعمة الّتي بها يشاركه في المنزلة ، من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ، ويفرح بسبب تفرّده . السّبب السّابع : شحّ النّفس بالخير على عباد اللّه ، فإنّك تجد من لا يشتغل برئاسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد اللّه ، شقّ عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور النّاس وإدبارهم وتنغّص عيشهم ، فرح به ، فهو أبدا يحبّ الإدبار لغيره ، ويبخل بنعمة اللّه على عباده ، كأنّهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته . ويقال : البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة اللّه على عباده الّذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة ، وهذا ليس له سبب ظاهر إلّا خبث النّفس ورذالة جبلّته في الطّبع ، لأنّ سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلّة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته . فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوّة لا يقوى صاحبها معها على