على الأضعف ، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات ، وما في النّفي يعمّ الخير والشّرّ .
والمحاسبة : مشتقّة من الحسبان ، وهو العدّ ، فمعنى « يحاسبكم » في أصل اللّغة : يعدّه عليكم ، إلّا أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى ، وهو المؤاخذة والمجازاة ، كما حكى اللّه تعالى :
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
الشّعراء : 113 .
وشاع هذا في اصطلاح الشّرع ، ويوضّحه هنا قوله :
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ .
( 2 : 592 )
مغنيّة : قد ترد على قلب الإنسان خواطر سوداء لا يتمكّن من دفعها ، كما لو تمنّى أن تهدم دار فلان ، أو تدهسه سيّارة ، ولا حساب ولا عقاب على هذه ما دامت مجرّد خواطر لا يظهر لها أثر في قول أو فعل ، لأنّها خارجة عن القدرة ، فالتّكليف بها سلبا أو إيجابا تكليف بما لا يطاق .
وقد يعزم على المعصية عزما أكيدا ، ويهمّ بها عن تصميم ، حتّى إذا أوشك أن يفعل أحجم وتراجع : إمّا خوفا من اللّه سبحانه ، وإمّا خوفا من النّاس . والأوّل مأجور ، لأنّ إحجامه خوفا منه تعالى يعدّ توبة وإنابة يثاب عليها ، والثّاني غير مأجور ولا موزور ، لا يثاب ولا يعاقب تفضّلا من اللّه وكرما ، فلقد جاء في الحديث :
إذا همّ العبد بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة ، فإن فعلها كتبت له عشرا ، وإن همّ بسيّئة فعملها كتبت سيّئة واحدة ، فإن لم يعملها لم تكتب شيئا . ( 1 : 453 )
الطّباطبائيّ : الإبداء هو الإظهار مقابل الإخفاء ، ومعنى
ما فِي أَنْفُسِكُمْ
ما استقرّ في أنفسكم ، على ما يعرفه أهل العرف واللّغة من معناه ، ولا مستقرّ في النّفس إلّا الملكات والصّفات من الفضائل والرّذائل : كالإيمان والكفر والحبّ والبغض والعزم وغيرها ، فإنّها هي الّتي تقبل الإظهار والإخفاء .
أمّا إظهارها فإنّما تتمّ بأفعال مناسبة لها تصدر من طريق الجوارح ، يدركها الحسّ ، ويحكم العقل بوجود تلك المصادر النّفسيّة المسانخة لها ؛ إذ لولا تلك الصّفات والملكات النّفسانيّة - من إرادة وكراهة وإيمان وكفر وحبّ وبغض وغير ذلك - لم تصدر هذه الأفعال ، فبصدور الأفعال يظهر للعقل وجود ما هو منشأها .
وأمّا إخفائها فبالكفّ عن فعل ما يدلّ على وجودها في النّفس .
وبالجملة ظاهر قوله :
ما فِي أَنْفُسِكُمْ
الثّبوت والاستقرار في النّفس ، ولا يعني بهذا الاستقرار التّمكّن في النّفس ؛ بحيث يمتنع الزّوال كالملكات الرّاسخة ، بل ثبوتا تامّا يعتدّ به في صدور الفعل ، كما يشعر به قوله : ( ان تبدوا ) وقوله : ( أو تخفوها ) فإنّ الوصفين يدلّان على أنّ ما في النّفس بحيث يمكن أن يكون منشأ للظّهور أو غير منشإ له وهو الخفاء ، وهذه الصّفات يمكن أن تكون كذلك سواء كانت أحوالا أو ملكات . وأمّا الخطورات والهواجس النّفسانيّة الطّارقة على النّفس من غير إرادة من الإنسان ، وكذلك التّصوّرات السّاذجة الّتي لا تصديق معها ، كتصوّر صور المعاصي من غير نزوع وعزم ، فلفظ الآية غير شامل لها ألبتّة ، لأنّها كما عرفت غير مستقرّة في النّفس ، ولا منشأ لصدور الأفعال .
فتحصّل : أنّ الآية إنّما تدلّ على الأحوال والملكات