وحاصل الكلام في هذا القول : أن معنى كونه تعالى ( سريع الحساب ) : كونه تعالى عالما بجميع أحوال الخلق وأعمالهم . ووجه المجاز فيه أنّ المحاسب إنّما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشّيء ، فالحساب سبب لحصول العلم ، فأطلق اسم السّبب على المسبّب .
وثالثها : أنّ محاسبة اللّه سريعة ، بمعنى آتية لا محالة ، كما قال عزّ وجلّ :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
الذّاريات : 5 ، 6 .
وكلّ ما هو آت آت ، فكأنّه قيل : إنّ السّاعة الّتي فيها الجزاء والحساب قريبة . ( 5 : 208 )
نحوه القرطبيّ ( 2 : 434 ) ، والخازن ( 1 : 159 ) .
أبو حيّان : ظاهره الإخبار عنه تعالى بسرعة حسابه وسرعته بانقضائه عجلا كقصد مدّته . [ ونقل الأقوال ثمّ قال : ]
وقيل : سرعة الحساب تعالى رحمته وكثرتها فهي لا تغب ولا تنقطع ، وروي ما يقاربه عن ابن عبّاس .
وظاهر سياق هذا الكلام عموم الحساب للكافر والمؤمن ؛ إذ جاء بعد ما ظاهره أنّه للطّائعين ، ويكون حساب الكفّار تقريعا وتوبيخا ، لأنّه ليس له حسنة في الآخرة يجزى بها ، وهو ظاهر قوله :
وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ
الحاقّة : 26 .
وقال الجمهور : الكفّار لا يحاسبون ، قال تعالى :
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
الكهف : 105 ،
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
الفرقان : 23 ، وظاهر ثقل الموازين وخفّتها وما ترتّب عليها في الآيات الواردة في القرآن ، شمول الحسنات للبرّ والفاجر والمؤمن والكافر . ( 2 : 106 )
الكاشانيّ : يحاسب الخلائق كلّهم على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمح البصر ، كما ورد في الخبر .
[ ثمّ ذكر الأخبار وقال : ]
ولسرعة الحساب معنى آخر يجتمع مع هذا المعنى ويؤيّده ، وهو أنّ اللّه يحاسب العبد في الدّنيا في كلّ آن ولحظة ، فيجزيه على عمله في كلّ حركة وسكون ، ويكافئ طاعاته بالتّوفيقات ومعاصيه بالخذلانات ، فالخير يجرّ الخير والشّرّ يدعو إلى الشّرّ . ومن حاسب نفسه في الدّنيا عرف هذا المعنى ، ولهذا ورد « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » وهذا من الأسرار الّتي لا يمسّها إلّا المطهّرون . ( 1 : 218 )
البروسويّ : و ( الحساب ) يراد به نفس الجزاء على الأعمال ، فإنّ الحساب سبب للأخذ والعطاء . وإطلاق اسم السّبب على المسبّب جائز شائع ، أي يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة ، لعدم احتياجه إلى عقد يد ، أو وعي صدر أو نظر وفكر . فاحذروا من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته ، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب النّاس . ( 1 : 320 )
الآلوسيّ : [ نحو البروسويّ وأضاف : ]
والمحاسبة إمّا على حقيقتها ، كما هو قول أهل الحقّ :
من أنّ النّصوص على ظاهرها ما لم يصرف عنها صارف ، أو مجاز عن خلق علم ضروريّ فيهم بأعمالهم وجزائها كمّا وكيفا ، أو مجازاتهم عليها هذا . ( 2 : 91 )
القاسميّ : إمّا بمعنى سريع في الحساب كسريع في السّير ، فالجملة تذييل لقوله : ( أولئك . . . ) يعني أنّه