الجعديّ وتأوّله النّحاة وهو :
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا * سواها ولا في حبّها متراخيا
وقد لحّنوا أبا الطّيّب في قوله :
* فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا *
وكنّى بقوله : ( عليهم ) عن الاستيلاء والإحاطة ونزل المعنى منزلة الجرم ونفى كونه معتليا مستوليا عليهم .
وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أنّ الخوف لا ينتفي بالكلّيّة ألا ترى إلى انصباب النّفي على كينونة الخوف عليهم ، ولا يلزم من كينونة استعلاء الخوف انتفاء الخوف في كلّ حال .
ولذلك قال بعض المفسّرين : ليس في قوله :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها عن المطيعين لما وصفه اللّه تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلّا أنّها مخفّفة عن المطيعين ، فإذا صاروا إلى رحمته فكأنّهم لم يخافوا .
وقدّم عدم الخوف على عدم الحزن لأنّ انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاء الحزن على ما فات ، ولذلك أبرزت جملته مصدّرة بالنّكرة ، الّتي هي أوغل في باب النّفي ، وأبرزت الثّانية مصدّرة بالمعرفة في قوله
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .
وفي قوله :
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأنّ غيرهم يحزن ، ولو لم يشر إلى هذا المعنى لكان ( ولا يحزنون ) كافيا ، ولذلك أورد نفي الحزن عنهم ، وإذهابه في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ
- إلى قوله -
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
الأنبياء : 103 ، ومعلوم أنّ هذين الخبرين وما قبلهما من الخبر مختصّ بالّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى ، وفي قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
فاطر : 34 .
فدلّ هذا كلّه على أنّ غيرهم يحزنه الفزع ولا يذهب عنهم الحزن .
وحكي عن المفسّرين في تفسير هذه الجملة أقوال :
أحدها : لا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب ولا يحزنون عند الموت .
الثّاني : لا يتوقّعون مكروها في المستقبل ولا هم يحزنون لفوات المرغوب في الماضي والحال .
الثّالث : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم ولا هم يحزنون فيما خلفه .
الرّابع : لا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدّنيا .
الخامس : لا خوف عليهم من عقاب ولا هم يحزنون على فوات ثواب .
السّادس : إنّ الخوف استشعار غمّ لفقد مطلوب ، والحزن استشعار غمّ لفوات محبوب .
السّابع : لا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الدّنيا ولا هم يحزنون على ما فاتهم منها .
الثّامن : لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون فيها .
التّاسع : أنّه أشار إلى أنّه يدخلهم الجنّة الّتي هي دار السّرور والأمن لا خوف عليهم فيها ولا حزن .
العاشر : [ قول ابن زيد ]