الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ . . .
المؤمن : 30 ، 31 إلى 44 . وفي خلالها
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
المؤمن : 35 .
وبذلك يعلم أنّ هذه الآيات استمرار لآيات أوّل السّورة ، ردّا للّذين كانوا يجادلون في القرآن وآياته ، من كفّار قريش .
الصّنف الثّاني : فرق النّصارى الّذين اختلفوا بشأن عيسى عليه السّلام أنّه إله أو ابن اللّه أو ثالث ثلاثة ، جاءت في 3 آيات ( 11 - 13 ) :
ففي آيتين ( 11 و 12 ) بسياق واحد
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، *
فجاء قبل ( 11 ) في آيات شرح ولادة عيسى عليه السّلام من دون أب إلى أن قال :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
مريم : 34 - 36 ، ثمّ قال :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ . *
وكذلك جاء قبل ( 12 ) في آيات رفض ألوهيّة عيسى ابتداء من
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
إلى
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
الزّخرف : 58 - 64 ، ثمّ قال :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، *
فالفاء في الآيتين تفريع مشعر بالإعجاب عن قولهم ، وتقريع لهؤلاء الّذين اختلفوا في عيسى ، وقد عبّر عنهم ب ( الأحزاب ) إشعارا بجهلهم وجدالهم بينهم بالباطل بلا بيّنة ولا برهان ، مصداقا لقوله :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . *
وقد أنذرهم اللّه ذيل الآيتين بسياق واحد بقوله في ( 11 ) :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ،
وفي ( 12 ) :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ،
مع وصفهم ب « الذين كفروا ، » و « الذين ظلموا ، » وتوصيف يوم العذاب ب
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ،
و
عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
تفنّنا وتنويعا في الإنذار .
وجاء في ( 13 ) بشأن القرآن أيضا :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ،
والآية مكّيّة ولم يواجه النّبيّ حين ذاك بأهل الكتاب ، فكانوا يؤيّدونه ويصدّقون بما أنزل عليه بشأن عيسى عليه السّلام ، سوى إنكاره أنّ عيسى ابن اللّه ، كما قال :
وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
أي أهل الكتاب الّذين كانوا أحزابا مختلفين في عيسى - كما سبق - فالّذين قالوا منهم : إنّه ابن اللّه ، أو هو اللّه أنكروا عليه ، وينبّه عليه ذيل الآية
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ . . . .
وإنّما بدأ أهل الكتاب بإنكار النّبيّ والقرآن رأسا بعد ما هاجر إليهم ، ولا سيّما بعد تحويل القبلة عن بيت المقدس قبلتهم إلى الكعبة ، لاحظ « قبلة » .
وخصّها الزّمخشريّ بمن تحزّب من أهل الكتاب على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، مثل كعب بن الأشرف وأصحابه ، وهو بعيد فإنّهم أنكروه رأسا لا بعضا .