وتركوا في ناحية الحرّة حتّى ماتوا على حالهم .
وقال قتادة : فبلغنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك كان يحثّ على الصّدقة وينهى عن المثلة .
هذا في الصّحيح من قصّتهم ، وتمامها على الاستيفاء في صريح الصّحيح ، زاد الطّبريّ : وفي ذلك نزلت هذه الآية ، ورواه جماعة .
الرّابع : أنّ هذه الآية نزلت معاتبة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن العرنيّين ، قاله اللّيث .
الخامس : قال قتادة : هي ناسخة لما فعل في العرنيّين .
المسألة الثّالثة : في تحقيق ذلك :
لو ثبت أنّ هذه الآية نزلت في شأن عكل أو عرينة لكان غرضا ثابتا ، ونصّا صريحا .
واختار الطّبريّ أنّها نزلت في يهود ، ودخل تحتها كلّ ذمّيّ وملّيّ . وهذا ما لم يصحّ ، فإنّه لم يبلغنا أنّ أحدا من اليهود حارب ، ولا أنّه جوزي بهذا الجزاء .
ومن قال : إنّها نزلت في المشركين أقرب إلى الصّواب ، لأنّ عكلا وعرينة ارتدّوا وقتلوا وأفسدوا ، ولكن يبعد ، لأنّ الكفّار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتّوبة بعد القدرة ، كما يسقط قبلها ، وقد قيل للكفّار :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
الأنفال : 38 ، وقال في المحاربين :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ .
وكذلك المرتدّ يقتل بالرّدّة دون المحاربة ، وفي الآية النّفي لمن لم يتب قبل القدرة ، والمرتدّ لا ينفى ، وفيها قطع اليد والرّجل ، والمرتدّ لا تقطع له يد ولا رجل ؛ فثبت أنّها لا يراد بها المشركون ولا المرتدّون .
فإن قيل : وكيف يصحّ أن يقال : إنّها في شأن العرنيّين أقوى ، ولا يمكن أن يحكم فيهم بحكم العرنيّين من سمل الأعين ، وقطع الأيدي ؟
قلنا : ذلك ممكن ، لأنّ الحربيّ إذا قطع الأيدي وسمل الأعين فعل به مثل ذلك إذا تعيّن فاعل ذلك .
فإن قيل : لم يكن هؤلاء حربيّين ، وإنّما كانوا مرتدّين ، والمرتدّ يلزم استتابته ، وعند إصراره على الكفر يقتل .
قلنا : فيه روايتان : إحداهما أنّه يستتاب ، والأخرى لا يستتاب .
وقد اختلف العلماء على القولين ، فقيل : لا يستتاب ، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قتل هؤلاء ولم يستتبهم .
وقيل : يستتاب المرتدّ ، وهو مشهور المذهب ، وإنّما ترك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم استتابة هؤلاء لما أحدثوا من القتل والمثلة والحرب ، وإنّما يستتاب المرتدّ الّذي يرتاب فيستريب به ويرشد ، ويبيّن له المشكل ، وتجلّى له الشّبهة .
فإن قيل : فكيف يقال : إنّ هذه الآية تناولت المسلمين ، وقد قال :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وتلك صفة الكفّار ؟
قلنا : الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد ، وقد تكون بالمعصية ، فيجازى بمثلها ، وقد قال تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
البقرة : 279 .
فإن قيل : ذلك فيمن يستحلّ الرّبا .
قلنا : نعم ، وفيمن فعله ، فقد اتّفقت الأمّة على أنّ من يفعل المعصية يحارب ، كما لو اتّفق أهل بلد على العمل بالرّبا ، وعلى ترك الجمعة والجماعة .