المشرقين ، فإنّ الّذي يدركه من يسمع كلام اللّه بلا واسطة ، لا يساويه من يسمعه بالوسائط ، انتهى .
وبالجملة فمالمذهب المأثور عن أهل السّنّة والجماعة أئمّة الحديث والسّلف ، كما قاله ابن تيميّة في « منهاج السّنّة » : إنّ اللّه تعالى لم يزل متكلّما إذا شاء بكلام يقوم به ، وهو متكلّم بصوت يسمع ، وإنّ نوع الكلام قديم ، وإن لم يجعل نفس الصّوت المعيّن قديما .
وبعبارة أخرى : إنّه تعالى لم يزل متّصفا بالكلام ، يقول بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا ، فكلامه حادث الآحاد ، قديم النّوع .
ثمّ قال رحمه اللّه : فإن قيل لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالرّبّ .
قلنا : نعم ، وهذا قولنا الّذي دلّ عليه الشّرع والعقل .
ومن لم يقل : إنّ البارئ يتكلّم ويريد ويحبّ ويبغض ويرضى ويأتي ويجيء ، فقد ناقض كتاب اللّه . ومن قال :
إنّه لم يزل ينادي موسى في الأزل ، فقد خالف كلام اللّه مع مكابرة العقل ، لأنّ اللّه تعالى يقول :
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ
النّمل : 8 ، وقال :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يس : 82 ، فأتى بالحروف الدّالّة على الاستقبال .
ثمّ قال رحمه اللّه : قالوا - يعني أئمّة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشّافعيّ وأحمد وغيرهما - :
وبالجملة فكلّ ما يحتجّ به المعتزلة والشّيعة ممّا يدلّ على أنّ كلامه متعلّق بمشيئته وقدرته ، وأنّه يتكلّم إذا شاء وأنّه يتكلّم شيئا بعد شيء ، فنحن نقول به . وما يقول به من يقول : إنّ كلام اللّه قائم بذاته ، وأنّه صفة له ، والصّفة لا تقوم إلّا بالموصوف ، فنحن نقول به . وقد أخذنا بما في قول كلّ من الطّائفتين من الصّواب ، وعدلنا عمّا يردّه الشّرع والعقل من قول كلّ منهما . فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ، قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم من السّلف والأئمّة ؟ ونصوص القرآن والسّنّة تتضمّن ذلك مع صريح العقل ، وهو قول لازم لجميع الطّوائف ، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته . ولفظ الحوادث مجمل فقد يراد به الأعراض والنّقائص ، واللّه منزّه عن ذلك ، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك ، ممّا دلّ عليه الكتاب والسّنّة .
ثمّ قال : والقول بدوام كونه متكلّما ودوام كونه فاعلا بمشيئته ، منقول عن السّلف وأئمّة المسلمين من أهل البيت وغيرهم ، كابن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاريّ وعثمان بن سعيد الدّارميّ وغيرهم .
ثمّ قال : فنحن قلنا بما يوافق العقل والنّقل من كمال قدرته ومشيئته ، وإنّه قادر على الفعل بنفسه كيف شاء .
وقلنا : إنّه لم يزل موصوفا بصفات الكمال متكلّما ذاتا ، فلا نقول : إنّ كلامه مخلوق منفصل عنه ، فإنّ حقيقة هذا القول أنّه لا يتكلّم . ولا نقول : إنّه شيء واحد ، أمر ونهي وخبر ، فإنّ هذا مكابرة للعقل . ولا نقول : إنّه أصوات منقطعة متضادّة أزليّة ، فإنّ الأصوات لا تبقى زمانين .
وأيضا فلو قلنا بهذا القول والّذي قبله ، لزم أن يكون تكليم اللّه للملائكة ولموسى ولخلقه يوم القيامة ، ليس إلّا مجرّد خلق الإدرك لهم ، لما كان أزليّا لم يزل ، ومعلوم أنّ النّصوص دلّت على ضدّ ذلك . ولا نقول : إنّه صار