والأخرى تشريع بشأن نساء النّبيّ صلوات اللّه عليه وآله في سورة مدنيّة ، وفيهما بحوث :
1 - قصّة مريم جاءت كاملة في سورتين : سورة مريم - وهي مكّيّة - وسورة آل عمران - وهي مدنيّة - واختلط قصّتها فيهما بقصّتي زكريّا وابنه يحيى ، وعيسى بن مريم ، لاتّصال بينهما وبين قصّة مريم ، واشتراكهما في ولادة يحيى وعيسى بطريقة غير طبيعيّة ، يحيى من أمّ عجوزة عاقر ، وعيسى من أمّ باكرة بلا أب .
2 - جاء في الأولى
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
- إلى أن قال -
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا
مريم : 16 - 22 فكان انتباذها - أي اعتزالها - بنفسها قبل الحمل مكانا شرقيّا ، وبعيسى بعد الحمل مكانا قصيّا ، وللمفسّرين أقوال في المكانين ، لاحظ « مريم ومكان » .
3 - وجاء بعد قوله :
مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً . . . ،
واختلفوا في تفسيره ، فأكثرهم قالوا تبعا للطّبريّ : اتّخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم .
وفي رواية عن ابن عبّاس أنّ اللّه أظلّها بالشّمس وجعل لها منها حجابا . وعن بعضهم اتّخذت حجابا من الأحجار ، أو من وراء جبل ، أو في محرابها . وذكر الفخر الرّازيّ أنّها جعلت بينها وبينهم حائلا من حائط أو غيره أو سترا وقال : إنّه - أي السّتر - أظهر من الأوّل ، وعندنا أنّ كلّا منها محتمل ولا شاهد لتعيينها ، وأبعدها احتجابها بالشّمس أو من وراء جبل ، ولعلّ أقربها « في محرابها » .
4 - وأمّا الهدف من احتجابها فقيل لتغتسل ، أو لتعتكف للعبادة ، وهذا أنسب باحتجابها في محرابها .
5 - المراد ب
فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
في ( 2 ) اتّخاذ السّتر بينهم وبين نساء النّبيّ خاصّة عندما يواجهونهنّ ويتحدّثونهنّ ، وليست من آيات الحجاب العامّة للمسلمات ، بل لم تأت فيهنّ هذه الكلمة على الرّغم من إطلاقها على السّتر تأثّرا بهذه الآية . لاحظ النّصوص وكتاب « مسألة الحجاب » للعلّامة الشّهيد مرتضى مطهّريّ رحمه اللّه .
ثانيا : جاء « حجاب » بمعنى الفاصل حقيقة في ( 3 و 4 ) وفيها بحوث أيضا :
1 - المراد به في
وَبَيْنَهُما حِجابٌ
الفاصل بين الجنّة والنّار ، أو بين الفريقين أهل الجنّة وأهل النّار ، وهو عند بعضهم ( الأعراف ) المذكور بعده
وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ
أي هؤلاء الرّجال يعرفون كلّا من أهل الجنّة والنّار بسيماهم ، و ( الأعراف ) :
مكان مرتفع واقع بين الجنّة والنّار مشرف عليهما .
وعن بعضهم أنّ ( حجاب ) هذا هو السّور في
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
الحديد : 13 ، وعن بعضهم أنّ هذه السّور نفس الأعراف بعينها . وكلّ محتمل ولا شاهد على أحدها ، لاحظ « باب ، والأعراف ، والسّور » .
وتأويله عند القشيريّ هو الحجاب الّذي حصل بينهما ، لما حجبوا في الابتداء في سابق القسمة عمّا خصّ